المقالات

الحرية النسائية: نحو خارطة طريق للتقريب بين الإسلاميين والحداثيين (إبراهيم القادري بوتشيش)

لا نطرح مقولة التقريب بمعنى البحث عن صيغة توافقية “إكراهية” بين أنصار المرجعية الإسلامية، والحداثيين المستندين إلى المرجعية الدولية في منظورهما للحرية والوضعية الحقوقية لنساء المغرب. فمثل هذا التوافق الذي يتولدّ عن إكراه مفروض لقبول الحوار والتفاوض، قد يضر بقضية الحرية النسائية أكثر مما يفيدها، ولأن التوافق بهذه الطريقة يقلّص مساحة الحرية والإرادة، لعدم اقتناع أحد الطرفين بحجج الطرف الآخر.

إن ما نصبو إليه، هو إعادة النظر والتدقيق في القضايا المختلف حولها، ومراجعة كل طرف لأفكار الآخر، بغية إذابة سوء الفهم، وتوحيد آليات التلقي، والتقريب بينهما لبناء تحالف معرفي يروم إنجاح الحوار المجتمعي، وصياغة مشروع نسائي مشترك، يعكس توافقا بين كل الألوان الفكرية، من دون أن يمس بجوهر أي لون فكري، من أجل إيجاد منفذ في هذا ((الطريق المسدود)) الذي اعتبرته إحدى الناشطات الأكاديميات طريقا لا منفذ له ولا مخرج[1]،

صحيح أن التقريب بين الإسلاميين والحداثيين طريق صعب لا يخلو من غبس ووعورة في السير؛ بيد أن فحص ومراجعة بعض الاختلافات بينهما، قمين بالكشف عن مشتركات فكرية لاحمة، لو قدّر  للتيارين أن يخلعا عنهما العباءة السياسة، ويتحررا من النزعات الإيديولوجية المؤثرة في توجهاتهما. كما أن الاحتكام إلى محكمة الواقع، والعقل المعرفي، ونتائج الدراسات الأكاديمية، وتنويع زوايا النظر، قد تمهّد لتجاوز الإكراهات، والانفتاح على الاجتهاد، والإنصات المتبادل بحكمة وتعقّل.

                  وفي تقديري أن المسألة التي يمكن الالتفاف حولها للوصول إلى مسار سليم يؤدي إلى التقريب بين الإسلاميين والحداثيين، تتمثل في صياغة مشروع نسائي موحّد ومتوازن، لا يقتصر على الطرفين المتدافعين فحسب، بل تشارك فيه كل فعاليات المجتمع المدني المعبّرة عن الرأي العام المغربي حتى يكون مشروعا مجتمعيا تشاركيا جامعا مانعا.

يتأسس هذا المشروع في تقديري على الواقعية والتدرج، والانتصار لقيّم الوسطية والاعتدال، والبحث عن التقاطعات بين أصول الشريعة الإسلامية ومقاصدها، والجوانب الإيجابية التي تختزنها المنظومة العرفية من جهة، واحترام قيّم الحداثة والتنوير، من دون تنكّر للخصوصية المغربية من جهة أخرى.

يبدأ مشروع التقريب  بوضع الإصبع على النقاط المشتركة بين الاتجاهين المتدافعين، بعيدا عمّا يسميه فرويد بنرجسية الاختلافات الثانوية، وبمنأى عن تشويش السياسة، والخلفيات الحزبية الضيقة، والتوغل- بدلا  من ذلك – في البحث عن العناصر الإيجابية داخل المنظومة العُرفية التي انتصرت أحيانا لقيّم الحداثة أكثر من القانون الوضعي في بعض المجالات الحقوقية، وحسن تنزيل النصوص الدينية، وقراءتها بما يخدم المصلحة العامة.

وغني عن القول أن استثمار هذه المشتركات الفكرية، وتفعيلها وأجرأتها في اتجاه التقريب بين التيارين المتدافعين، لا يتأتى بمعزل عن تغيير الذهنيات: الذهنية الذكورية والأنثوية معا، والاحتكام إلى الرأسمال المعرفي، وإلى نتائج الأبحاث العلمية والدراسات الميدانية، مما يسمح بوضع الخطوط الأولية لمنهجية التقريب.

أولا: موجّهات منهجية للتقريب:

لنبدأ بتقديم خمسة موجهات منهجية نحسب أن الالتفاف حولها والانطلاق منها، قد يسهم في تقارب التيارين الإسلامي والحداثي في منظورهما للحرية النسائية:

1-إن تشخيص الحرية النسائية بالمغرب يتمّ بالعقل المعرفي، وليس بالعقل المتعالي، أو التوجيه السياسي، ويقوم على مبدأ تحقيق توازن المجتمع، والحفاظ على التعددية والاختلاف المشروع الذي هو قاعدة كونية، مع تغليب المصلحة العامة.

2- ليس المطلوب في مشروع التقريب إبداع أفكار وتصورات صحيحة فحسب، بل الأهم هو كيفية توظيف هذه الأفكار بصورة صحيحة.

3-كل تحوّل تاريخي وما يترتب عنه من متغيرات مجتمعية وثقافية واقتصادية وحضارية، ينتج مفاهيم جديدة حول الحرية النسائية، لذلك يصعب الحديث عن أفكار جاهزة أو مرجعيات لا تقبل التغيير، بل ينبغي مراعاة التحولات الظرفية، وإيجاد الحلّ الأنسب لكل زمن.

4-إن قيمة الأفكار لا تقاس بقدرة هذا التيار أو ذاك بالبراعة في التنظير والحجاج، وإفحام الطرف المتحاور معه، بل بالفائدة والفعالية والابتكار، ومدى تأثيره في إيجاد بدائل للخوض في مسألة الحرية النسائية، وإعادة بناء وتركيب أفق جديد يتلاءم مع التحديات المطروحة. ويخيّل إلينا أن الجانب المنهجي الأساس الذي ينبغي التركيز عليه في حوار الطرفين يكمن في التمييز بين النص الديني في ذاته، والنص الديني في تأويلات التيارين المتدافعين، والتمييز  بين الدين والتديّن.

5- إن تغيير الذهنيات وطرائق التفكير ، يعدّ مدخلاً أساسياً لكل تقريب.

                  إذا وضعنا منظوري أنصار المرجعية الإسلامية وأنصار المرجعية الدولية لحرية المرأة المغربية على ضوء هذه الموجهات المنهجية، يتبيّن أنها تباينت شكلا ومضمونا في الظاهر كما في العمق، إذ هيمنت اللغة الدينية والتراثية على خطاب أنصار المرجعية الإسلامية، وجرى النظر إليها بخلفية الفلسفة الأخلاقية. في حين استند أنصار المرجعية الدولية إلى مدركات جديدة عن الحرية، مقتبسة من لغة المواثيق الدولية المسنودة بقاموس الفكر الليبرالي ومعطيات الفكر السياسي الحديث. ولا يزال هذا التباين يلقي بظلاله على الطرفين، رغم صدور مدونة الأسرة سنة 2004، بل صار يتسع ويتشابك ليصل إلى مجالات أخرى كحرية الحب، وحرية المعتقد، وحرية الجسد،وما إلى ذلك من سلالة أشكال الحريات،وهو ما يستوجب النظر في التقريب بين المرجعيتين، وردم هوة الخلاف بينهما لتوحيد الخطاب، بالتشخيص والتعقّل الذي يتجاوز المواقف الحدّية،والبحث عن المشتركات التي تقرّب بين التيارين المتدافعين، بدل ترك قطرات زيت الخلاف تتمدّد على رقعة الثوب. فلنبدأ بتحديد المشتركات بين التيارين.

ثانيا :تحديد المشتركات والتقاطعات:

تكشف القراءة الفاحصة في أدبيات خطة العمل الوطنية لإدماج المرأة في التنمية، وأدبيات التيار الإسلامي المعارض لها، وما حبّره أنصار التيارين معاً من كتب ومستندات ومقالات وكتابات صحفية، عن تقاطعات بينهما تبرز  في بعض البقع من خرائط التفكير لدى كل طرف تجاه حرية المرأة المغربية، يمكن اختزالها في خمسة مشتركات إيجابية قابلة للاستثمار  بهدف بناء تصور موحّد لمعالجة إشكالية الحرية النسائية المغربية:

– يتمثل الأول في تسليم الطرفين المتدافعين بأهمية الحرية، وبمبدأ حاجة المرأة المغربية الماسة لها، وأنها مفتاح النهضة، إذ لا نهضة ولا تنمية من دون حرية نسائية[2]، وهو ما يشكل في نظرنا إجماعاً لا يعكسه  العقل المغربي في التاريخ الراهن فحسب، بل العقل الإنساني الكوني برمّته ، مع اختلافات في التطبيق والأجرأة.

– ويتجسد المشترك الثاني في إقرار التيارين معاً، أن الإسلام يكرّم المرأة، ويقرّ  العدالة بين الجنسين، وهو ما عبّرت عنه أدبيات الإسلاميين والحداثيين على السواء. فإذا كانت كتابات الإسلاميين تفيض بالنصوص حول تكريم الإسلام للمرأة، فإن خطة إدماج المرأة في التنمية أشادت أيضا بتكريم الإسلام للمرأة، انطلاقا من حرصه على مبدأ العدالة الاجتماعية.

-أما ثالث هذه القواسم المشتركة بين التيارين، فيتجلى في اختيار الأسلوب الناعم منهجا للتدافع والحوار والنقاش، كتعبير حضاري، بعيدا عن التحكّم والديكتاتورية الفكرية. ولا شك أن مثل هذا المنهج مقبول لدى الطرفين، وقابل لإنجاح مسار النقاش.

فعلى الرغم مما سطّرناه حول أشكال الاختلاف الذي ذرّ بقرنه بين أنصار خطة إدماج المرأة في التنمية ومعارضيها، والتي وصلت أحيانا إلى حدّ التلاسن، فقد ظلّ التدافع بينهما تدافعاً سلمياً طيلة مساره. تتجلى مشاهد الحوار السلمي في الأسلوب التفاوضي الذي حللناه من قبل، وفي الكتابات الصحفية والمنابر الفكرية، والخُطَبِ والمحاضرات والتجمعات، إضافة إلى استثمار الشارع العام الذي تمّ توظيفه أيضا في المسيرات والمظاهرات، للتعبير عن مشروعية مطالبهم، لإقناع الرأي العام، من دون السقوط في فخ العنف و الفوضى. فالاختلاف بين التيارين المتدافعين لم يتزحزح قيد أنملة عن خانة السلم، رغم العنف اللفظي، لذلك وصفنا هذا الحدث البارز في ثنايا التاريخ الراهن بأنه مجرد تدافع إيجابي سلمي حضاري.

-ويتجسّد المشترك الرابع الذي قد يزيد في تقديرنا من سمك التقريب بين أهداف التيارين المتدافعين، في أن الطرف المعارض لخطة إدماج المرأة في التنمية، لم يرفض المطالب الواردة فيها جملة وتفصيلا، بل عارض بعض المطالب فقط. وحسبنا أن من مجموع المقترحات التي قدّمها التيار الحداثي والبالغ عددها 125 مطلبا، لم يتم الاعتراض سوى على القليل منها[3]. فلم يشمل الخلاف والمساجلات والجدل سوى بعض المطالب التي اعتبرت “حساسة”، أو متعارضة مع النصوص القطعية في الشريعة الإسلامية. وبموازاة مع ذلك، لا  يخلو خطاب أنصار المرجعية الدولية من إشارات إيجابية حول تشبثه بالرؤية الإسلامية التقدمية، وبالفقه المستنير، وبأنوارية الحضارة الإسلامية، وقيمة العدالة والمساواة بين الجنسين في  الإسلام.

في حين يتمثل المشترك الخامس في ما أفرزه ظهور مدونة الأسرة سنة 2004من مساهمة الدولة المغربية في تأثيث مشهد “لتصالح” ممكن بين التيارين. حسبنا دليلا على ذلك أن  ظهور المدونة الجديدة جاء تتويجا لتحكيم ملكي للخلاف بين المرجعيتين المتدافعتين، في مسعى لإزالة الاحتقان، والتقريب بين التيارين الإسلامي والحداثي. ولعلّ ما يهمنا من تدخل الدولة على أعلى مستوى لعلاج هذا الملف، هو ما ترتب هنه من نتائج ، نقتصر فيها على نتيجتين أساسيتين تشكلان ثلاثة مداخل للتقريب:

1-تأكيد مركزية إمارة المؤمنين وتسيّدها على قوى المجتمع المدني بالمغرب. وحسبنا أن موافقتها على أي تعديل لنصوص المدونة، يعدّ شرطاً لازماً لضمان التوازنات والحياد تجاه أي طرف. وأي مبادرة تعديلية لنصوص المدونة لا تمرّ عبر رقابة الملك، تعدّ تطاولا على اختصاصاته بصفته أميراً للمؤمنين. ووفقا لهذا الاحتكار من قِبَلِ الدولة لسلطة التعديل، لا يوجد منتصر أو منهزم، ما دام التياران معاً يسيران وفق ضوابط المؤسسة الملكية التي لها وحدها الحق الكامل في ترسيم حدود مساحة التحرك في مجال الحرية النسائية بمرجعية إمارة المؤمنين، وبمبدأ تحقيق التوازن والحياد بين أطراف المجتمع، وهو ما تعكسه مقولة ملك المغرب محمد السادس: “لا أحلل ما حرّم الله، ولا أحرّم ما أحلّ الله”. ولا شك أن هذا التوازن يفيد في تفعيل عملية الحوار بين طروحات الإسلاميين والحداثيين،  ويساعد على التقريب بينهما.

2-يتجسّد المدخل الثاني في التحوّل الذي طرأ على استراتيجيات التحرك لدى الطرفين المتدافعين بعد صدور مدونة الأسرة عام 2004 . فنتيجة لما تضمنته من تعديلات، اضطر التياران إلى قبولها رضوخاً للتحكيم الملكي، وتفعيلاً لمبدأ تحقيق التوازنات. وجاء هذا القبول ملائما لظرفية السياق السياسي. وآية ذلك أن التيار الإسلامي الذي كانت قد خبت طموحاته بعد تفجيرات الدار البيضاء عام 2003، انتقل من موقع المعارض باسم الدين، إلى القابل للتلاؤم مع كافة المتغيرات والمستجدات بالاجتهاد وفق حدود المساحة التي تحددها إمارة المؤمنين. وفي ذات الوقت، تغير اتجاه بوصلة التيار الحداثي من إدارة الظهر للمرجعية التراثية الفقهية والتشريعية، إلى البحث على الأداة المنهجية الإسلامية المتأصلة في الاجتهاد كأساس محتمل للنهوض بأوضاع المرأة[4]، مما جعل كل طرف قابل للانفتاح على الآخر، وقابل للتقارب معه.

3-يضاف إلى هذين المدخلين للتقريب، ما لوحظ في تدبير الدولة المغربية ذاتها لملف المسألة النسائية من انتهاج سياسة إبقاء اللبس والغموض، واحتمالات القراءات المتعددة في أي تعديل للمدونة، حفاظا على حيادها، واستحضاراً للموقف المجتمعي وإرضائه بالدفاع عن هويته وثوابته، وطمأنة الموقف الدولي في نفس الوقت، بما يجنبّها أي محاسبة بتقويض الديموقراطية وحقوق الإنسان، أو محاباتها للتطرف الديني، لذلك آثرت الانتصار للقيّم التي تريدها وسطية معتدلة غير متطرفة، وغير مؤدلجة أو خاضعة لوصية أي تيار.

سيتعزز هذا الاختيار الوسطي للدولة- فيما بعد-بما تضمنه دستور 2011 من توليفة قانونية ترضي الإسلاميين والحداثيين معاً. فقد نصّ الفصلان 19 و164 على المساواة والمناصفة وعدم التمييز بين الجنسين إرضاء لتوجهات التيار الحداثي وللمواثيق الدولية. وفي ذات الوقت نصّ الدستور في الفصلين 32 و169 على احترام الزواج الشرعي، وتماسك الأسرة، والحفاظ عليها باعتبارها الخلية الأساسية للمجتمع[5] إرضاء للتيار الإسلامي المدافع بشراسة عن مؤسسة الأسرة وفق المرجعية الإسلامية.

وتوحي هذه المداخل الثلاثة ودلالاتها، أن التقريب بين التيارين الإسلامي والحداثي غدا خطابا صريحا في توجهات الدولة من أجل إحداث التوازنات، وضبط تطور المجتمع المغربي بما يخدم المصلحة العامة ؛ وبمعنى آخر فإن التقريب أصبح حتى بالنسبة للسلطة هدفا محسوبا لتلميع هيبتها،  وإبراز قوتها كمؤسسة ضامنة لوحدة المجتمع وتماسكه.

والواقع أننا لو عمقنا معول البحث في أسس الاختلاف، لوجدنا أن ما يفرق أنصار المرجعية الإسلامية عن أنصار المرجعية الدولية لا يعزى إلى افتقار الخلفية الثقافية الحداثية لأصالة هوياتية، بقدر ما يرجع إلى اختلاف في الرؤى الأخلاقية والسياسية وتجاوزات في طرق التفكير التقليدي، بحكم ما وقع من تداخل القيّم الوطنية والغربية في جغرافية التاريخ الراهن ، وهو ما يمكن التقريب بشأنه ضمن حوار صريح وعلمي.

                  وفي تقديري إن هذه المشتركات والتقاطعات التي أتينا على ذكرها، وعلى مداخل التقريب التي عرضناها، تسمح على الأقل بمغادرة منطقة الانسداد التي تعرقل حرية المرأة بالمغرب، للبحث عن مناطق أكثر خصوبة، واستنبات الأفكار البديلة الممكنة للتقريب بين التيارين، وتوجيه بوصلة التدافع في اتجاه الحوار المعرفي المثمر، والارتقاء بموضوع الحوار حول مسألة الحرية النسائية بالمغرب إلى مستوى ابتكار الأفكار، واقتراح البدائل التي  تزيد التفاهم صلابة وتلاحما ضمن خارطة طريق تتسم بليونتها، وسعيها لتقريب الأصيل والوافد، وتوجيه مجاريها لتصبّ كلّها في نفس النهر.

ويخيل إلينا أن استثمار هذه المشتركات لإنجاح التقريب، رهن بتأسيس الحوار بين الطرفين على مقاربات نقدية، ومبادرات شجاعة، تمتاح قوتها وفعاليتها من ثقافة المجتمع المغربي، وقيّمه، وليونته وقدرته على التفاعل مع المجتمعات الكونية الأخرى وعقلانيتها، بمنأى عن التقوقع والانغلاق على الذات، وبعيدا عن وعي الذات من خلال الآخر، والتمييز بين القيّم الكونية الإيجابية، والوافد الثقافي ” الإمبريالي” الساعي للهيمنة، وتقويض القيّم المحلية المرتبطة بالمرأة ومرتكزات الأسرة.

                  لكن السؤال الصعب الذي يثار بهذا الصدد يتمحور حول كيفية التوفيق بين طرح يسعى إلى تأثيث مفهوم الحرية بخلفية تراثية ودينية، وبشكل مناهض لاكتساح القيّم والمعايير الدولية السالبة، وطرح آخر يتبنى حرية منفتحة على قيّم كونية تتجاوز الموروث الثقافي، وتنعكس صورتها عبر تمثّلات جديدة تتميز بكثافة عالية في اختراق السقف النظري الذي تتبناه المرجعية الإسلامية في رؤيتها للحرية النسائية، وتنحو نحو مقولة تغيّر المفاهيم، وتؤمن بأن لكل عصر حريته، وأن لكل (( بيئة جديدة حريات جديدة ))[6].

سِؤال شائك، كنا قد راهنا على تفكيكه من خلال نقاشنا في الفصول السابقة لميكانيزمات التدافع بين التيارين، والبحث عن أسبابه وانعكاساته، وهو ما حتّم علينا استقصاء ومتابعة مفهوم الحرية كما تمّ تداوله تاريخيا في المجتمع المغربي، وكما أوحت به الكتابات الحداثية الملوّنة بتأثيرات الكتابات الليبرالية الحديثة، والكتابات المحافظة المشبعة بالنص القرآني والمتن الحديثي. ومع أن السؤال لا يخلو من تعقيد وتحدّي، سنحاول المساهمة في الإجابة عنه عبر ما نزعم أنها خارطة تقريب بين وجهتي نظر التيارين المتدافعين.

ثالثا: خارطة طريق لممكنات التقريب:

لا یوجد في التاريخ الإنساني مجتمع خال من الاختلافات وتعدد الرؤى بسبب القناعات الفكرية المتباينة. غير أن التطور الفكري، وتحقيق درجات من النمو والاستقرار الاجتماعي، يتحقق داخل المجتمع الذي ينجح في تحويل الاختلاف إلى محركات للإبداع، وتحويل طاقة التدافع والصراع إلى طاقة إیجابیة خلاقة، وبيئة تتعايش فيها الأطراف المتدافعة، من خلال تمتين القواسم المشتركة، وتقريب المتناقضات.

وفي هذا الاتجاه، نميل إلى الاعتقاد أن التقريب بين خطابي أنصار المرجعية الإسلامية وأنصار المواثيق والاتفاقيات الدولية حول الحرية النسائية، يستدعي الالتفاف في مرحلة أولية حول بعض الأهداف، وتوحيد بعض المبادئ والقواعد التي لا تتطلب سوى الإرادة والإيمان بإنجاح المشروع، ونلخصها في المحاور التالية:

  1. الحوار المسؤول، والإنصات المتبادل:

         لتحقيق أي تقارب بين أنصار المرجعية الإسلامية وأنصار المرجعية الدولية، لا محيد عن الإيمان بأهمية الحوار في تذويب الخلافات، وبأن عدالة مطلب الحرية للمرأة المغربية قدر مشترك بين التيارين، وأن التباين حول الحرية مهما بلغ من درجة، فإنها تبقى أساس الوجود الإنساني، وبها يصبح الإنسان فاعلا وصانعا وخالقا لأفعاله[7]. وحرصا على تحقيق هذا الهدف، لا بد من الالتقاء والاجتماع للحوار المباشر، بدل الاكتفاء بتحبير المقالات في الصحف والمنابر الإعلامية. فالإنسان يكتشف معنى الاختلاف وحدوده، بالاتصال رأسا مع الطرف المختلف معه، وليس من السجن المعرفي الذي زجّ كل طرف نفسه فيهمن دون وعي.

إن الاختلاف ليس هو النهاية، بل هو نقطة الانطلاق والبداية، ما دام هناك مربعات تتقاطع فيما بينها، وليس ثمة قطيعة نهائية، شريطة أن يتمّ تدبير الاختلاف بتشخيص عقلاني، ومنهجية سليمة خالية من النرجسية والشوائب التي أتينا على ذكرها.  والمطلوب في هذا الصدد الاعتراف المتبادل بحقّ كل طرف الإدلاء بدلوه في مسألة الحرية النسائية، بعيداً عن التصلب في الرأي، والنـزعة الوثوقية  المطلقة، والالتزام بالإنصات المتبادل لكل طرف، من دون خلفية مسبقة، وعدم تعالي أحدهما على الآخر، لأن التعالي مؤذن بنهاية الحوار[8].

وموضوع الحرية المقصودة في هذا الحوار، لا يعني القفز على سقف المقطوع في صحته من أصول العقيدة والعبادات، أو هدم كل المنجز التراثي الفقهي والاجتهادي في موضوع الحرية النسائية، بل تشريح ونقد الآراء الفقهية البشرية، وحسن تأويل وتنزيل النصوص الدينية القطعية من خلال معرفة مقاصدها، واستثمار  الجانب الإنساني والأخلاقي فيها، بما يخدم مصلحة المرأة المغربية في التاريخ الراهن. وفي ذات الوقت، الاقتناع بحركية التغيير والتطور المتسارع الذي يجعل مفاهيم الحرية متغيرة بتغيرات الظرفيات والزمن التاريخي، والتفاعل مع المحيط الدولي بانفتاح إيجابي،  من دون الوقوع في فخّ تذويب الهوية.

2-مراجعة الجانب الشكلي في أسلوب الحوار، والاتشاح بأخلاق المناظرة العلمية:

                  تستوجب عملية التقريب بين التيارين كذلك، تشكيل خطاب خال من هيمنة المفردات المخلة بالآداب، والتحلي بأخلاق ومنهج المناظرة العلمية التي تستلزمها معركة الحرية النسائية المغربية. فمن غير المقبول في معركة مصيرية من هذه الطينة، الاستسلام لغرائز الافتراس في الأقلام، والتنابز بالألقاب القادحة، والتراشق بالتهم الملفقة التي تتعارض مع مبادئ وأخلاقية المرجعيتين المتدافعتين. والمبدأ السليم في الحوار يفرض أن لا  يتحول التدافع  إلى صراع هويات يؤسلم هذا ويكفّر ذاك، فلا أحكام الشريعة الإسلامية، ولا المواثيق الدولية تسمح بالإساءة للطرف المختلف معه، أو تقبل تلويث بيئة النقاش. ولا يمكن أن يكون التعبير عن الاختلاف فاعلا، وذا مردودية وجودة، إلا داخل الحدود الممكنة للاختلاف. والاختلاف سُنّة إلهية، وظاهرة بشرية فطرية، رافقت التاريخ البشري، وساهمت في بناء الحضارات الإنسانية، بفعل امتداداتها السلمية. على عكس ذلك، يعلمنا الدرس التاريخي أن غياب الحوار كان العامل الحاسم في كل ما وقع من صدامات وأزمات وحروب مدمّرة.

بيد أن هذا الحوار ينبغي أن يكون حوارا عقلانيا، مهذّبا، يبتعد عن تضخيم سلبيات الخصم، ويتحاشى التفتيش الدقيق عن هفواته، وأن لا يتحوّل إلى صراع ديكة، أو حلبة مصارعة ينتصر فيها طرف على الآخر من دون ضوابط ولا قوانين. كما أن ردود الأفعال المتسمة بالانفعال والتشنج اللفظي، لا تشيّد نظرية صحيحة قادرة على حلّ الخلافات. وتبقى الحجة والبرهان العقلي أساس الحوار الناجح والمثمر كما دأب على ذلك المتناظرون في حقل الفكر الإسلامي من كافة الفرق وأهل الملل والنحل خلال العصر الذهبي للإسلام، مما أعطى آنذاك دينامية وحراكا فكريا متميزا، وابتكارا  للحلول، من دون طعن أو قذف، أو لمَز أو اتهام بالجهل والتفسيق.

3- مفهوم توافقي حول الحرية النسائية:

إن مفهوم الحربة ليس مفهوما ناجزا، أو قاعدة حسابية رياضية متفق عليها،  بل  هو  سؤال مفاهيمي مركب، ومشروع متداخل مفتوح على تلقي كل المبادرات، والتغذي من كافة الأفكار والتجارب والإبداعات الإنسانية. ونحسب أن أول خطوة لإنجاح الحوار بين الإسلاميين والحداثيين تتمثل في وضع إشكالية حرية المرأة على طاولة النقاش العلمي والتحليل الصارم، المستند إلى دراسات أمبريقية، وأبحاث نظرية وميدانية يساهم فيها المثقفون من علماء الدين وعلماء الاجتماع والمؤرخين والأنثروبولوجيين وغيرهم من المفكرين وخدّام المعرفة، بهدف توحيد الرؤى الواقعية للحرية المتداولة في الأوساط الثقافية والاجتماعية. كما ينبغي أن يتمّ النقاش وفق نتائج هذه الدراسات، بمعزل عن التوجهات الانفعالية والافتعالية، والمخاتلات السياسة التي حصلت بين التيارين الإسلامي والحداثي، والالتجاء إلى العقل كوسيلة للتحكيم، وليس تسخيره لخدمة وتبرير رأي الأنا، مقابل تسفيه رأي الآخر المعارض.

وعلى هدي هذا التوجه، نحسب أن الموضوع الذي ينبغي أن ينصبّ حوله النقاش، ضرورة صياغة مفهوم متوافق عليه للحرية، عن طريق إعادة تأصيله معرفيا، وتعيين حدود الحرية النسائية وسقفها، والتقعيد القانوني والاجتهاد التشريعي لها، وإخضاعها لمعطيات الواقع، ضمانا لنجاحها، وتحصُّنا من خطر الحرية غير المسؤولة التي لا ضفاف لها، والتي تؤدي إلى الشطط والإسفاف والسير نحو المجهول. ونحسب أن هذه الأهداف النظرية والتطبيقية حول سقف الحرية النسائية وامتداداتها، تتحقّق بالاستناد إلى الرأسمال المعرفي، ونتائج العلوم الاجتماعية والإنسانية الدقيقة، والأبحاث الميدانية حول المرأة والأسرة والحقوق والقانون.

ويقتضي التقريب أيضا توحيد الأهداف المتوخاة من الحرية عموما، ومن حرية المرأة خصوصا، ومنها عدم النظر للحرية على أنها موضع نزاع بين الطرفين، أو تتحوّل إلى مشكلة، بينما هي في الأصل حلّ  لكلّ المشاكل، لأن أهدافها تنسجم مع الفطرة ومع النواميس والقوانين الاجتماعية والكونية.، في حين يتمخض عن غيابها انتشار أساليب النفاق والتملق، والولاءات، وانكماش المبادرات والإبداعات الفكرية.

وفي ذات الوقت ينبغي تحاشي المطلقات اليقينية والخطاب الوثوقي المتصلب حول حرية المرأة، حتى تتأسس مساحة مشتركة تتميّز بالمرونة، وتكون مقبولة من كلا التيارين، لأن اليقين المطلق، وأحكام القيمة يجهض أي أمل يبرق لإنتاج مفهوم موحّد للحريةـ أو إبداع أفكار تسير في هذا الاتجاه.

        نحسب إن الحرية ليست مجرد مقولات فضفاضة، أو خطب جوفاء، بل هي الحقّ في أن يكون الإنسان سيد قراراته في فضاءات حياته الشخصية، واستقلالية عقله وتقرير مصيره، من دون أن ينفلت من المسؤولية التي هي عطر الحرية وكمالها. إنها بمعنى آخر تربية للنفس على احترام الآخر،  وعدم مناصبته العداء.

صحيح أن الإنسان حرّ في اختياراته، ولكنه أيضا ((مسؤول  لا  عمّا اختاره وقام به فحسب، بل عن نتائج هذا الخيار))[9]. وبما أن الحرية موضوع خطير يشمل الإنسان والمجتمع معاً، فلا يفترض ان تكون جامدة، أو يتمّ تحديدها بمعايير أخلاقية فحسب، بل ينبغي أن تمتد إلى وعي الإنسان بالخيارات الممكنة في مرحلة معينة، وضمن أوضاع تاريخية معطاة[10]، وأن تتحرّك في دائرة حرية منظمة، لا حرية متوحشة تنتج الظلم والفساد اللذين هما أساس خراب العمران البشري[11]،ويحلّ فيها اللامتناهي محلّ المتناهي[12]. فالحرية التي تؤدي إلى الظلم، تتحوّل حتماً إلى طرفها النقيض. لذلك فإن الاختيار المسؤول، هو العتبة لكي يصبح المرء ممارسا للحرية، لأنه يصير- بموجب ذلك- مقتنعا بوصوله لدرجة التكليف. آنذاك يمكن القول أنه (( أصبح حرّاً، لأنه يصبح مسؤولا، ويصبح مسؤولا لأنه أصبح حرّاً )) على حد تعبير المرحوم علال الفاسي[13].

وقد يكون من باب تقريب وجهات النظر القول أن ثمة سوء فهم لموقف التيار الإسلامي من جانب التيار الحداثي. فالغالب على الظن أن الإسلاميين لا يعادون الحرية كقيمة سامية. بل يتحرزون من طريقة ممارستها، ويعتبرونها مثل النار التي تستعمل للطبخ والتدفئة والصناعات التحويلية والنافعة، ولكنها قد تحدث حريقا مدمراً إذا لم يتم استغلالها بطريقة صحيحة.

في هذه الدائرة التي تروم توحيد مفهوم الحرية،وتحويلها إلى  قيمة ناضجة من الوعي الذي يولّد الإدراك بحدود الفرد وحدود المجتمع،يمكن استحضار مفهوم توافقي لحرية المرأة المغربية، والنظر إليها، لا من زوايا المتناقضات والتعارضات، بل بمنظور تكاملي متقارب، يؤسس لحرية تكافلية، وليس عولمية متوحشة تقفز عل الأصول والهوية. إنه مفهوم الحرية اليقظة المسؤولة التي  تستوعب مبدأ الحرية الفردية ضمن مفهوم جديد لاجتماعية الإنسان، يتم فيه الربط بين العقل والعدل والعادات والأعراف ومبدأ التشارك، بهدف تحصين حرية المرأة وكرامتها، من دون الإخلال بقيّم المجتمع وتوازنه.

بيد أن هذه الحدود والضوابط التي تندرج في باب الحرية المسؤولة، لا ينبغي أن تستغل استغلالا سيئا فتكون عنوانا للانغلاق والتكلّس، والتحجّر المبني على التخلف المعرفي، وتحول دون التعامل مع النصوص التراثية حول الحرية بما فيها النصوص الدينية، بوصفها مشروعا مفتوحا على كل قراءة ممكنة، أو معاداة للمتغيرات الدولية التي حفرت مجاري جديدة في مفهوم الحرية النسائية.

4-تحويل الاختلاف إلى حلول إبداعية تشاركية-مندمجة:

يندرج في باب التقريب كذلك، تحويل الاختلاف الإيجابي بين التيارين الإسلامي والحداثي، إلى طاقة إبداعية، وثقة في النفس، واكتشاف لما تختزنه من طاقات داخلية، للبحث عن حلول للحرية النسائية. فمن الأكيد أن ما يزيد من وقود الاختلاف السلبي، هو ادعاء كل طرف امتلاكه الحقيقة والموقف الصحيح الذي تقاس عليه مختلف الآراء،وأن الطرف الآخر مخطئ وواهم. وهذا ما يستشف من خلال التدافع الفكري الذي حصل بين الطرفين.

فعلى الرغم من المسار التفاوضي الذي أبداه كل طرف، سعى كل منهما إلى إقصاء الآخر، وجعل الموقف الذي ينطلق منه معياراً يقيس عليه توجهات الطرف الآخر. والحال أنه من غير المنطقي بناء الحلول والاختيارات بعين واحدة، بل ينبغي الكشف عن تنوعاتها وما تختزنه من مسارات متعددة للتوافق، واحتمالات تجعلها مرنة وقادرة على إعادة تشكيل المواقف. فمثل هذه المرونة تكون دافعاً لتحويل الاختلاف إلى طاقة إيجابية خلاقة، لأن وجودطرفين يشكّلان حالة الاختلاف والتضاد[14]يمكن أن يؤسس لنقاش علمي مبدع، بفضل ما ينتجانه-اعتماداً على نتائج الحوار والتناظر –من حلول مبتكرة، ويحوّلان الاختلاف إلى أفكار تبنى عليها توافقات مقبولة، يترتب عنها تطوير  العقلية المجتمعية.

فعلى سبيل المثال، سبق أن لاحظنا في قراءتنا لمشروع خطة إدماج المرأة في التنمية أن الإحالات على منظور الإسلام للنهوض بالمرأة، جاءت في شكل شاحب، ومفتقر إلى قوة البيان، في الوقت الذي تكثّفت فيه الإحالات المرجعية والتصورات المنهجية على الاتفاقيات والمواثيق الدولية. وهذا من شأنه أن يضيّق المساحة المتاحة لاستقطاب الطرف المتدافع معه، وتطويعها لخدمة الحرية النسائية، والتخفيف من حدة الخلاف بإمكانية تكثيف الإحالات على المرجعيات الدينية أيضا، وخصوصا تلك التي تتوافق مع التمكين للمرأة، وتفصيل النظر فيها، وتضمينها داخل نصوص خطة إدماج المرأة في التنمية، وإثباتها وفق ما جاء في النص القرآني والمتن الحديثي، لأن هذا من شأنه إثراء مشروع الخطة، وإكسابها طابع التكامل، فتصبح بذلك عنصر إجماع، عوض أن تكون عنصر تنافر وخلاف.

وإلى جانب الحضور الباهت للنصوص الدينية في مشروع خطة إدماج المرأة في التنمية، تقتضي عملية التقريب أن يتمّ توسيع مساحة تأويلها تأويلا اجتهاديا إيجابيا، لتبيان ما تختزنه من تكريم وتبجيل للمرأة، والكشف عن الحكمة الإلهية العارفة بحاجتها الماسة للعدالة، بما يخدم التقارب مع الطرف المتدافع معه. وبالإمكان كذلك مقارنة هذه النصوص المنصفة للمرأة، لتوضيح مخالفة الفعل البشري لها،  وما ترتب عن ذلك من تكريس أنانية ذكورية ترسبت في طبقات موروث عربي قديم لا يمت بصلة للنص القرآني. ويخيل إلينا أن استثمار المعطيات القرآنية الإيجابية، واستحضار نماذج نسوية مستنيرة من التاريخ الإسلامي داخل متن مستند خطة إدماج المرأة في التنمية قد يزيد من تليين الموقفين المتدافعين، ويؤدي إلى تقاربهما.

والقول نفسه ينسحب على الأحاديث النبوية، إذ باستطاعة أنصار المرجعية الإسلامية، وخصوصا نخبة العلماء، المساهمة في إبراز الأحاديث الصحيحة التي رفعت من مكانة المرأة، وتبيان ضعف أو انتحال النصوص الحديثية الأخرى التي تقف حجر عثرة في نهوضها من قبيل الحديث الموضوع المنسوب خطئا للرسول عليه السلام: ” ثلاثة يقطعون القبلة(ويقصد بها الصلاة): “الكلاب والحمير والنساء”[15]، وهو الحديث الذي أنكرت السيدة عائشة طريقة روايته وصححته. فمثل هذا الانفتاح النقدي على النصوص المسيئة للنساء، وإظهار حسن النوايا ونقد كل ما هو إنتاج بشري، وإعادة قراءته في ضوء المناهج العلمية المعاصرة، من شأنه أن يسدّ بعض الأبواب التي تدخل منها رياح تعصف بالتقريب بين الطرفين.

5- من حرية المرأة بالمفرد، إلى حرية الجنسين معاً:

ثمة تقصير وقع في حباله التياران الإسلامي والحداثي، يتمثل في عدم رؤية الحرية النسائية بمنظور كلّي، وحصر إشكالية الحرية في المرأة، في حين أن الرجل ذاته يعاني من تضييق مساحة حرياته، ولو بدرجات متفاوتة، وهو ما يؤثر سلبا كذلك في أوضاع الأطفال داخل الأسرة، مما يعني أن أضلاع الحرية ينبغي أن تتسع لتشمل ثالوث الأسرة الذي هو المرأة والرجل والطفل .

ووفقا لهذا المنظور، يمكن أنْ نضيف إلى مصطلح “حقوق المرأة” ، و”حقوق الطفل”، مصطلح “حقوق الأسرة” كنقطةَ بداية يتفرّع عنها “حقوق الأفراد” داخل منظومة الأسرة، مما يسمح بتجاوز فكرة تحقيق الذات بشكل فردي مطلق إلى تحقيق الذات داخل إطار الأسرة. فلا معنى للحديث عن الأسرة مع التركيز على عنصر من عناصرها فقط، لأن ذلك ينتج عنه تضخم في المسألة النسائية، فيتمّ تغييب حق الرجل والطفل في الحرية، مما يؤدي إلى إشاعة الفرقة والنزاع داخل كيان الأسرة نفسها. فأي جدوى من اعتبار خطة إدماج المرأة أو مدونة الأحوال الشخصية أو أي مشروع نسائي آخر، انتصاراً لعضو في الأسرة  ضد العضو الآخر، أو هزيمة لأحديهما. فعندما تتم معالجة الحرية النسائية بهذا المنظور الكلي داخل الفضاء الأسري، من دون الاقتصار على جنس واحد، تنخفض درجات الاحتقان، وتصبح احتمالات التوافق والرضى أكثر، وتتحول علاقات التنافر والعداء إلى علاقات تعاون وتعاضد، وتنازل طوعي لخدمة استقرار الأسرة.

وتأسيسا على ذلك، نحسب أن المجتمع المغربي لا يحتاج إلى حركة نسائية أو حركة رجالية، بل هو في مسيس الحاجة إلى حركة إنسانية للدفاع عن ديمقراطية الوجود البشري في إطار المساواة والعدل، وتكافؤ الفرص بين الرجل والمرأة بخلفية أسرية متكاملة ومنسجمة.

6-التسامح المتبادل، والتواصل مع الرأي العام:

يستدعي مسعى التقريب بين التيارين الإسلامي والحداثي أيضا، استحضار مسألة التسامح الذي أثمر حقبة متميّزة من حقب التاريخ الإسلامي في القرن الرابع الهجري/ 10م. وآية ذلك أن الفكر الإسلامي الكلاسيكي بحقوله المتنوعة، كان في تلك المرحلة  يتغذى بعقل إبداعي منفتح على الجدل والحوار والإنصات المتبادل، والمساهمة الجماعية في تنشيط “سوق علمية مشتركة”، تمخض عنها ذروة الإبداع والإنتاج والتألق الحضاري الذي نعته المؤرخون بالعصر الذهبي، واعتبره المفكر العربي محمود إسماعيل “عصر الأنوار “الإسلامي، بما شاع فيه من جدل فكري، وتسامح عقائدي وإيديولوجي، أفرزا مجتمعا متجانسا، وعقلا إبداعيا متعاونا، ومنتجا لفكر كوني[16]. وأظن أن هذه المرجعية التسامحية جديرة بالتحفيز اليوم على مراجعة الذات، والتصالح  والإنصات المتبادل والتقارب، على الرغم من الاختلاف الفكري بين التيارين المتدافعين.

والمجتمع المغربي بحاجة اليوم إلى تظافر جهود الإسلاميين والحداثيين وكافة القوى الحية لتعزيز جبهة الحرية النسائية من خلال التسامح الفكري لتوحيد رؤيتهما، وتجاوز أي شكل من أشكال التعصب للمواقف القبلية. وفي هذا السياق،  على  التيار الحداثي أن يقتنع انطلاقا من الواقع، أن المجتمع المغربي مجتمع مسلم. كما على الإسلاميين من جهتهم أن يقتنعوا أن مسألة الاجتهاد في نصوص الشريعة الإسلامية بخصوص المرأة فضيلة تزيد من سمو  قامة فكرهم وتزيدها انسجاما مع المتغيرات، وأن بعض فئات المجتمع المغربي متماهية مع الفكر الحداثي ومع التديّن.

ولإنجاح مشروع التقريب، نرى كذلك ضرورة توحيد جهود التيارين لتواصلهما مع الرأي العام، حتى لا يبقى الحوار نخبوياً متعالياً، أو ذراعاً دعوياً تابعاً لتيار حزبي أو سياسي. فالفعل التواصلي يرقى بالتقريب إلى مستوى التفاعل بين كافة مكونات المجتمع المغربي،والإنصات بعمق إلى الأصوات النسائية في المدن والبوادي التي توجد في قلب الإشكالية. وبهذا الشكل، يزيد التواصل من توسيع دائرة النقاش وتعميق التفاهم.

بيد أن هذا التواصل ينبغي أن يكون على درجة عالية من المصداقية، وان يتجاوز مستوى رفع شعار الحرية و التسامح ، إلى مستوى الممارسة والتطبيق، وتحديد مناهج وخيارات في سياق نقاش مجتمعي مسؤول يساهم في تعزيز قيم الحرية والعدالة والمساواة.

ويترتب عن توحيد هذه الأهداف من أجل التقريب نتيجتان جوهريتان:

1 – تصبح الحرية عنصر وحدة وتعاضد، يوحّد ولا يفرّق، يجمع ولا يشتت، لأنها حلّ شمولي لكافة مشاكل المرأة، تنموية كانت أم اجتماعية أم اقتصادية أم ثقافية، وحتى دينية عندما ترتبط بالمسؤولية الأخلاقية.

2-بهذه الطريقة في التفكير، يعبّر كل طرف عن موقفه من الحرية النسائية بالعقل المعرفي وليس بالعقل الانفعالي، فيغدو أسلوباً إجرائياً وعملياً متوازناً يعبّر عن وطنيته، ما دام أن تحرير المرأة  جزء لا يتجزأ  من تحريرا الوطن، إذ (( لا يمكن تحرير الوطن دون تحرير النساء))[17].

والحاصل أنه عندما يصبح موضوع حرية المرأة عنصر توحيد للرؤى، وأداة للتصالح مع الذات، واسترجاع لقيّم الأنوار التي عرفتها الدولة العربية الإسلامية، واستكمالا للتحرر الوطني وتحقيق التنمية، يكون عنصر بناءً، وموجهاً لبوصلة التقريب.     

رابعا: استراتيجية تنفيذ خريطة التقريب:

لا سبيل لإنكار مجموعة من المطبّات التي تحول دون التقريب بين وجهتي نظر أنصار المرجعية الإسلامية والمرجعية الدولية، نرى أن السعي إلى تجاوزها، وتحويل الاختلاف إلى تحالف، قد يقّلص من مسافة التباعد بينهما، وأهمها:

  1. تخطي حواجز  الحوار:

تتجسد أولى تلك الحواجز في الخروج من الدائرة الضيقة للحوار إلى الدائرة الواسعة، وتحويل الجدل في موضوع حرية المرأة من  مجرد قضية فقهية وجدل منحصر في مضمون مدونة الأحوال الشخصية، أو مدونة الأسرة الحالية، إلى قضية وطنية تهم المجتمع برمته، ومعالجتها في سياق منظور شمولي، يمتد نحو مختلف الجوانب الفقهية والقانونية والأخلاقية والاجتماعية والفكرية والتنموية، إذ لا تنمية بدون حرية، ولا تنمية بدون إصلاح اقتصادي. وفي الآن ذاته ينبغي رؤية حرية المرأة بنظارات الديموقراطية، إذ لا حرية نسائية في مجتمع غير ديموقراطي يتنفس هواء الحرية والعدالة.

كما ينبغي ربطها أيضا بالتعليم، لما لذلك من انعكاس في إعداد العدة المناسبة للتربية على قبول ثقافة التغيير التي هي سُنَّةٌ من سنن الكون، واستثمار تشجيع التعاليم الإسلامية للتطور والتغيير كما تدل على ذلك مسألة نسخ الآيات في القرآن الكريم التي جاءت تعبيرا عما يوليه الدين الحنيف من عناية لمسألة الزمن وتغير الظروف[18]. ويقتضي هذا التغيير مناهضة الأنماط الذكورية المتسلطة، وفتح سؤال تحرر المرأة المغربية على لغة جديدة، تتلاءم مع المتغيرات الدولية والمنعطفات التاريخية، وفقا لمقولة أن لكل زمن طريقة في الفهم، بعيدا عن الخطوط الحمراء، وعن أي سلطة إيديولوجية تمارس الرقابة والمصادرة.

 بيد أن التغيير في الفهم وفق المتغيرات لا يعني البتة الانزلاق نحو حافة الميوعة الأخلاقية والحرية غير المسؤولة، علما أن تنفيذ هذا المنظور الشمولي، يتطلب تضافر قدرات العقل المغربي بكل أطيافه، وفق منهج توافقي تشاركي مندمج، بعيدا عن لغة الإقصاء والتفرّد.

أما الحاجز الثاني الذي يتعين على التيارين المتدافعين تجاوزه لإحداث التقارب، فيتمثل في ضرورة إخراج مسألة حرية المرأة من العباءة السياسية، والمسبقات الإيديولوجية والحزبية، وفك الارتباط مع منطق السياسة القائم على الربح والخسارة، وإنزالها إلى ساحة الرأسمال المعرفي، وقواعد العلوم الاجتماعية والإنسانية والبحوث الأنثروبولوجية والميدانية، جنبا إلى جنب مع العلوم الفقهية وغيرها من العلوم الخادمة لحرية المرأة المغربية.

لا يساونا الشك في أن تحرير  الحوار  والتدافع حول الحرية النسائية من قوارع السياسة، وضوضاء الإيديولوجيات، وعجيج الصراعات الحزبية،يقتضي انتقال الخطاب من خطاب موجه للترويج والتسويق والاستهلاك السياسي، إلى خطاب التأسيس والبناء، وسبك أسئلة جديدة هادئة وشفافة، ومراجعة طرق التفكير في كيفية أجرأة حرية المرأة علميا وعمليا من خلال مراعاة امتداد مساحة المغرب، والتفاوت بين مناطقه الجهوية في التحولات الاجتماعية عند تنزيل التشريعات القانونية، والأخذ بفقه الواقع الذي يساعد على تحقيق المناط، ويراعي مصلحة المرأة والمجتمع المغربي، وكلها قضايا لا يتم معالجتها إلا بالبحث العلمي النزيه، والنظرة الواقعية.

ويكمن الحاجز الثالث في الاحتراز من الحريات الفردية المطلقة المتوحشة التي قد تتحول إلى نقيض الأهداف التي تنشدها الحرية. فالتقريب يقتضي النظر لحرية المرأة المغربية بكثير من التبصّر، والتشخيص المسنود إلى الواقع، بعيدا عن توحش الليبرالية الفردانية المتعولمة، وفي  الوقت ذاته، التحوط من أي حرية لا تؤدي وظيفتها الاجتماعية الحقيقية التي هي التحرر المسؤول والملتزم. فالحرية تتضمن وجهين: وجه “شيطان ماكر”، لا يحدّ من طغيانه سوى سلطة القانون، ووجه “ملاك” يخدم الإنسانية. ومع ذلك تبقى الحرية في جوهرها ((أمرا واقعا لا مفرّ منه، وضرورة لكرامة الإنسان وحمايته من الاستبداد والطغيان ))[19]. ولتحقيق هذه الضرورة الوجودية، ندعم رؤيتنا التقريبية بما اقترحه البعض بضرورة إعداد علم أخلاقي حقيقي يهدف إلى تدبير الحريات عن طريق تربية روحية مناسبة، تراعي الواقع والسياقات التي يتحقق فيها[20]. فالتربية على الحرية، تنتج عقلا مجتمعيا نزّاعاً  نحو التقارب والتوافق.

والحاصل أن الحاجة البشرية تتطلب تحقيق التوازن بين الحرية الفردية والجماعية، وضرورة التقيّد بما تمليه مصلحة المجتمع، من دون تفريط في حرية الفرد أنثى أو ذكر، ومن ثمّ فان القيود التي يفرضها المشرِّع أحيانا للتضييق على حرية فردية معيّنة، قد تكون ضرورية لحرية أخرى. ونحن لا نقصد في هذا الباب الحريات الفردية التي لا تضر بالجماعة كحرية التعبير والتنقل والمعتقد والملكية، فهذه الأشكال من الحريات هي حريات طبيعية لكونها لصيقة بشخصية الفرد[21]. بيد أن المسألة تكون أكثر تعقيدا عند الحديث عن الحريات التي يمارسها الفرد مع الآخرين. وفي هذا المستوى، تتحدد الغاية القصوى من الاجتماع البشري في تنظيم الحريات والحقوق لضمان السلم الاجتماعي، وحماية الفرد ذاته ممّا قد يمكن أن يقترفه من جرم في حق نفسه. فعلى سبيل المثال، إذا تجاوز الإنسان دائرة الحريات كتعاطي المخدرات، أو بالغ في السرعة أثناء قيادة مركبته، فإنه يُحَوِّلُ الحرية إلى مشكلة، بدل أن تكون آلية لحلّ المشاكل.

ويتجلى الحاجز الرابع في تخطي فقه المحاذير الذي يشيطن المرأة، ويبخّس قيمتها، ويصورها ككائن يشكل خطراً على استقرار المجتمع. فالخطاب الفقهي التقليدي يجعل من النساء مصدرا للفتنة بين الرجال، ويصفهن بعدم الأهلية، والافتقار للكفاءة. بل يتم منعهن في بعض الشروحات الفقهية من حضور المجالس، ومن المشاركة في الجنائز، وحتى الذهاب للمسجد.  في حين أن وقائع التاريخ تكشف النقاب عن عدد من  النساء اللائي كنّ تذهبن للمسجد في زمن النبي، وتساهمن في المعارك، وتحضرن مجالس العلم، وتشاركن في البيعات، وتقمن بوظيفة الحسبة، وتتمتعن بكافة الحقوق المادية والأدبية. فمثل هذا الخطاب المنفك عن روح وجوهر الدين الإسلامي، ومحايثته للعرف الاجتماعي، يربك التقريب، ويكبح عجلته.

 لذلك نعتقد أن إحداث قطيعة مع هذه المحاذير الفقهية التسلطية، يعدّ مدخلا أساسيا للتقريب بين التيارين المتدافعين، لأن المرأة التي هي موضوع النقاش، تنتمي إلى فصيلة الكائن الإنساني الذي كرّمه النصّ الديني، وأمر الله أن تكون العلاقة الزوجية مبنية على المودة والرحمة والالتزام برعاية كل طرف للآخر[22]. لذلك لا محلّ للتأويلات المغرضة التي تسيء فهم دلالات النصوص، وتجعل من ((المرأة والأسرة أشبه ما يكون بالقطيع المملوك للسيد المتسلط، الآمر المستبد))[23].كما أن أي سلوك بشري لا يعكس جوهر هذا الموقف التفضيلي، يعتبر مُدَاناً عقلا ونقلا، ولو تذرع بمقولات تمتاح من النصوص الدينية الجزئية. فالحرية هي الأصل والمبتدأ والغاية، والتكريم للإنسان -وضمنه المرأة-هي عهد من الله لخلقه[24]. فلا يمكن امتهانها ضدّا على عهد قطعه الله على نفسه بحكمته وجلاله.

  • تأسيس تحالف معرفي مشترك لتحقيق حرية المرأة المغربية والدفاع عن إنسانيتها:

نقترح أن يتم عملية التقريب بين أنصار المرجعية الإسلامية وأنصار المرجعية الدولية بتحالف معرفي من خلال ثلاث واجهات علمية أكاديمية: الواجهة التنويرية التي تجسدها الـنسوية الإسلامية التأويلية، وواجهة المعركة من أجل تغيير العقليات، ثم واجهة معركة الاجتهاد الفقهي  الإيجابي الذي يصبّ في مصلحة الحرية النسائية.

  • المقاربة الـنسوية الإسلامية التأويلية كآلية للتقريب: 

في سياق استقصائنا للعوامل الخارجية التي أثَّرَتْ في تاريخ الحركة النسائية المغربية، سبق أن أَثَرْنا بعجالة موضوع الحركات النسائية، وضمنها الحركة الإسلامية التأويلية التي برزت إلى الوجود في مطلع تسعينيات القرن العشرين، وما فتئت تتطور حتى الآن. ونعود في هذا الفصل لطرحها كمقاربة جدّية للتقريب، لأنها تشكل في نظرنا تقاطعا فكريا يساهم في ردم الفجوة والجفاء بين التيار الحداثي الذي أعدّ الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية، والتيار الإسلامي المعارض لها. كما تعدّ توليفاً ممكناً بين أهداف مطالب الخطة لتغيير نصوص المدونة، وأهداف الإسلاميين المتمثلة في الدفاع عن الثوابت الحضارية التي يتشبث بها.

إن الحركة الإسلامية التأويلية في تقديري تمثل مرجعية إسلامية “مستنيرة “،تتقاطع إلى حدّ كبير مع التيار الحداثي، من دون أن تمسّ بجوهر فكر التيار الإسلامي، مادام مشروعها الفكري الاجتهادي ومنظورها للتشريع يُنْجَزان من داخل النص الديني ذاته وليس من خارجه، ويحافظان على روح وجوهر الإسلام. كما أنها تشكّل ” طريقا وسطا “بما بعكسه الوسط  من اعتدال ونقط التقاء بين أفكار التيارين الإسلامي والحداثي، وهو ما يتيح إمكانية بناء تحالف معرفي بينهما، عبر فتح أوراش تتظافر فيها الجهود الفكرية المشتركة.

برز تيار الحركة الإسلامية التأويلية مع ثلّة من النساء المسلمات كأميمة أبو بكر وأمينة ودود من مصر، قبل أن تنضمّ إليهن لاحقا ناشطات من إيران وبنغلاديش وغيرها من بلدان العالم. ولا تقتصر جغرافيا النسوية الإسلامية التأويلية على المجتمعات الإسلامية فحسب، بل تمتد حتى داخل مجتمعات الأقليات الإسلامية في الغرب، والولايات المتحدة على الخصوص.

 تتجسّد قيمة أفكار النسوية الإسلامية التأويلية -كمقاربة للتقريب- في هدفها الرئيسي الذي يولّف إلى حد كبير بين أفكار ورؤى التيارين المتدافعين، وهو تحقيق حرية المرأة تأسيسا على منهج خاص يروم تحقيق  المصالحة بين الإسلام، وحقوق الإنسان وتحديات الحداثة المعولمة[25]، عن طريق النقد وإعادة البناء، من دون المساس بجوهر ومقاصد الإسلام.

                  ترتكز رؤية الفكر النسوي الإسلامي التأويلي على نقد القراءة الفقهية الذكورية للنصوص الدينية، والدعوة لإعادة تأويلها، بغية إثبات عدم مشروعية إقصاء النساء من مجال المشاركة الدينية والسياسية والاجتماعية والمجال العام، لأن مصدر تهميش المرأة ليس هو الدين، بل هو القراءة البشرية الذكورية للدين. تقول عالمة الاجتماع الإيرانية زيبا مير حسيني في هذا الصدد: ((بإعادة قراءة النصوص الدينية، يتم التدليل على أن التفاوتات (عدم المساواة) الشاخصة في الشريعة الإسلامية ليست مظاهر للإرادة الإلهية، بل هي تركيبات إنسانية))[26]. ووفقا لهذه القراءة، فإن الامتيازات التي حصل عليها الرجل ليست عطاءً من الله، بل منحها إياه الفقهاء والأحاديث الموضوعة.

 ويعزز الفكر النسوي الإسلامي التأويلي توجهاته واجتهاداته في قراءة النصوص الدينية بمجموعة من العلوم والآليات المعرفية كاللسانيات، وعلم الاجتماع والتاريخ والأنثروبولوجيا. ويناهض الفهم الحرفي للنصوص الدينية،  ويدعو إلى وضعها في سياقها التاريخي، وقراءتها قراءة غير جنوسية، تستند إلى البعد التاريخي والأنثروبولوجي الثقافي، وترتكن إلى وعي هرمينوطيقي لكسر شوكة الفهم البطريركي للدين، من خلال إقرار حق المرأة في أن “تستملك” النص الديني و”تستنطقه” بنفسها، لإبراز النزعة التقدمية المؤكدة لحقوق النساء الأساسية[27].

ومن أبرز ما يميز هذه التيار النسائي أيضا، كونه ينطلق من داخل المرجعية الإسلامية، ومن أبعاد العدالة الاجتماعية المتأصلة في جوهر الإسلام،  ويسعى إلى (( خلق دينامية حقيقية من أجل تحرر نسائنا من داخل المنظومة الإسلامية، هدفها الأساس إعادة الاعتبار إلى المرأة المسلمةوإعطاؤها القيمة التي تستحق ))[28].

يعتمد النضال النسائي من داخل المنظومة الإسلامية على منهجية تقوم على إعادة النظر في النصوص الدينية التأسيسية ذاتها، ونقد التفسيرات البشرية للأحكام الخاصة بالمرأة، وإحالة الأحكام الجزئية على كليات التصور الإسلامي التي لا تقيم تمييزا أنطولوجيا بين الرجل والمرأة. تقول الباحثة أسماء لمرابط: (( إنه لمن المحزن جداً أن نلاحظ أنه عوض أن نظل أوفياء لأهداف ومرامي الرسالة الإلهية، بقينا على عكس ذلك أوفياء للتأويلات والتفسيرات والقراءات البشرية التي ساهمت طوعا أوكرها في نشوء وذيوع ثقافة التنقيص من شأن النساء، وأفضت في نهاية المطاف إلى تلغيم مجتمعاتنا  الإسلامية))[29].

ويفهم من هذا  القول أن المقاربة النسوية الإسلامية التأويلية تسعى إلى تصحيح الأفكار الموروثة عن الفقه التقليدي، بالرجوع إلى النصوص المؤسسة لأوضاع المرأة والأسرة، وهو ما يسمح بالتماهي مع أفكار التيار الحداثي الذي طالب بإعادة قراءة النصوص الدينية بعقل مستنير.

ولتوضيح ما يحمله مشروع النسوية الإسلامية التأويلي من بذور التقريب بين التيارين المتدافعين، يكفي أن نقف عند أهم خصائصه الفكرية والمنهجية، ومنها:

– عدم تطرّف النسوية الإسلامية التأويلية في منظورها للحرية، مقارنة مع النظريات النسوية الرافضة التي تخترق أسوار الثوابت الوطنية والهوية الحضارية، وتزجّ بالخطاب الديني السائد في إحراجات شتى، بل تلفظ العديد من الأجوبة التي يقدمها هذا الخطاب بوصفها “مسلمات دينية”. ويمكن تفسير هذا التطرف الذي سلكته النسوية الرافضة، كونها تأسست على يد نساء مسلمات، هاجرن من موطنهن الأصلي نحو الغرب، أو أُجْبِرْن على الهجرة نحو مواطن الحرية الغربية – الأوروبية أو الأمريكية- تحت طائلة قمع الحريات، مما سمح لهن  بالانطلاق من عقالهن، فوصلن إلى حدّ ربط تحرر المرأة بإدارة الظهر لكل ما هو لاهوتي أو له صلة بالدين.

– على عكس هذا الاتجاه المتطرف المتمرد على الدين، تتأسس الحرية النسائية عند الحركة التأويلية الإسلامية من داخل الإسلام نفسه، ولا تسير في اتجاه الاستقلال المطلق، أو النقد الجدري المتحرر من كل سلطة لاهوتية. ويبقى النص الديني عندها مصوناً مقدساً، حتى لو بقي طيّعا في عملية التأويل[30]، ولكنها لا تخرج في مراجعاتها لمفهوم حرية المرأة وحقوقها عن مقاصد الخطاب القرآني، أي من المرجعية الإسلامية نفسها. وتتميّز مراجعتها للنصوص الدينية بكونها عقلانية وإيمانية منفتحة، تستحضر القيّم الكونية الحقيقية القائمة على العدل والإنصاف، والمتأصلة في جوهر الدين الإسلامي[31]. وهذه المقاصد الكبرى التي ترى فيها خلاصات التجربة النبوية في نزعتها الإنسانية[32]، هي المقابل المعرفي والأخلاقي لمعظم القيّم الكونية التي يتبناها المنتظم الدولي في مواثيقه واتفاقياته، مع بعض الاستثناءات، وبذلك فهي تجمع بين أهداف أنصار المرجعية الإسلامية وأنصار المرجعية الدولية معاً.

– تجنح الحركة التأويلية الإسلامية نحو نقد وتجاوز القراءات الفقهية التقليدية اللاتاريخية، وما شابها من نزعة إقصائية تسعى إلى طمس البذور التحررية الثورية التي تحويها نصوص الوحي الخاصة بالنساء، ومحاصرة حرية المرأة، تحت مبرر أنها كائن قاصر وغير مؤهل. وبذلك فهي تسحب البساط من تحت أقدام الغرب الذي يستغل التضييق على حرية المرأة للتدخل بترسانته القانونية والحقوقية في المجتمعات الإسلامية، لفرض “إمبريالية” أفكاره المعولمة المفروضة على المجتمعات الإسلامية. 

– تسعى المقاربة الـنسوية الإسلامية التأويلية إلى تصحيح التوظيف غير الدقيق وغير العادل للعقلية الذكورية التي تفترض أن الخطاب القرآني موجه للرجال، ما لم تدل قرينة على دخول النساء فيه، وذلك بهدف الإبقاء على الأمر الواقع بالتلفيق ومحاولة طمس السياق التاريخي للنصوص، وإقصاء المرأة.

وتستدلّ في مرافعتها عن هذا الحق النسوي في الخطاب القرآني بمبدأي الاستخلاف والتوحيد في العقيدة الإسلامية. فالإنسان وفقا لهذين المبدأين، هو المستخلف في الأرض، رجلا كان أو امرأة، من دون تمييز، وليس من حق أحد الجنسين ادعاء احتكاره لهذا الحق. كما أن الإسلام هو دين التوحيد، حيث لا عبودية ولا تبعية ولا طاعة إلا لإله واحد، وما عدا ذلك فهو استبداد وطغيان يستحق المقاومة.

ولعلّ ما يزكي هذا التشارك بين الجنسين في الاستخلاف على الأرض، وتنفيذ المشروع القيمي والإنساني من جانب الرجل والمرأة معاً، مبدأ ” الحماية المتبادلة” أو التعضيد المتبادل بينهما، من دون تمييز  أو ترجيح لكفّة الرجل على المرأة، وهو ما يدلّ عليه روح وجوهر الآية الكريمة:﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾[33]. فمنطوق هذه الآية يلغي أي نظرة تبخيسية للمرأة، ويحلّيها بأوصاف المسؤولية الاستخلافية الكبرى المشتركة مع الرجل على قدم المساواة، ومن دون أي تمييز[34].

وبقدر ما تنتقد الحركة النسوية الإسلامية التأويلية القراءة الحرفية والأبوية للنص الديني[35]، تتصدى أيضا للفكر الغربي الرأسمالي المتوحش، و”للإمبريالية الغربية” التي تسعى إلى اختراق المجتمعات الإسلامية واحتوائها ثقافيا، بدعوى الدفاع عن اضطهاد المسلمين للمرأة، والركوب على هذا العطب الذي يعدّ الإسلام بريئا منه. وتبرز أهمية هذا التوجه في تقديري بإمكانية إزالة مظاهر قلق وتخوفات التيار الإسلامي من التدخلات الأجنبية التي يؤاخذها على التيار الحداثي.

 وبذلك تشكل هذه الأفكار التي تطرحها النسوية الإسلامية خانة للتشارك بين التيارين المتدافعين، حيث تستجيب لمعظم المطالب الواردة في خطة العمل الوطنية لإدماج المرأة في التنمية، من دون المساس بالثوابت الدينية التي يستميت من أجلها التيار الإسلامي. 

2-2- معركة تغيير العقليات مدخلاً  لتعديل قانون مدونة الأسرة:

تقودنا مسالك البحث عن منطقة وسطى تقرّب بين وجهات نظر أنصار المرجعية الإسلامية وأنصار المرجعية الدولية أيضا إلى القول إن التقريب بينهما يقتضي توحيد أجندة المعركة،  والالتفاف معاً حول معركة تغيير العقليات، كمدخل لخوض معركة تغيير النصوص القانونية في مدونة الأسرة، وكسب رهان حق المرأة في الحرية، لأن تحرير المرأة المغربية قضية عقلية أكثر مما هي قانونية، علماً أن الإنسان سابق على القانون، وهو الذي يحبّره وفق عقليته. لذلك فإن للتصورات الذهنية والمسبقات الثقافية علاقة جدلية بالبُعد التشريعي، واستنباط الأحكام القضائية وحسن تنزيلها وتطبيقها.

وبمعنى آخر فإن ما تستلزمه عملية التقريب، يكمن في التحرر من سطوة اللاوعي الجمعي، أي ذلك الجزء من العقل الذي يختزن ترسانة من العادات والمعتقدات المشتركة المشكّلة من رموز ثقافة متجذرة ومتوارثة اكتسبتها الأجيال عبر التاريخ، سرعان ما أصبحت تعكس سلوكا يعبّر عن غريزة القطيع. وغالبا ما يتسم هذا السلوك بالانتصار للعقل الانفعالي على حساب العقل المنطقي، ويكرّس فكرة الغالب والمغلوب، ومبدأ “أكون أو لا أكون”. فيصبح النص القانوني بموجب هذه العقلية ضحية هذا اللاعب الخفي الذي ينهج كل أساليب المناورة والمخاتلة لتجاوز كافة القوانين أو تطويعها لصالح ثقافة اللاوعي الجمعي.

لا يخامرنا الشك في أن النص القانوني يفقد هيبته إذا لم يدخل حيز التطبيق بسبب تكلّس العقلية المجتمعية، وعدم قبولها تفعيله في مجتمع تدار مؤسساته بعقلية ذكورية تزدري المرأة. ينهض حجة على ذلك ما تنطق به المسطرة المدنية من مشاهد الظلم الذي لا يزال يطال المرأة المغربية بدرجة لا تقلّ عما كان يلحقها قبل صدور مدونة الأسرة سنة 2004.بل إن الإحصائيات تثبت أن زواج القاصرات قد تضاعف ما بين سنتي 2004  و2013[36]، وأنه استمر في التصاعد في الأعوام التي تلتها، دون احتساب أعداد زواج القاصرات في البوادي، حيث لا يزال بعض الرجال هناك متمسكين بقاعدة الاكتفاء بقراءة الفاتحة، بدل عقد الزواج الرسمي، وهو ما لم تشمله الإحصائيات المذكورة[37].

ولعلّ وجود بند استثنائي بخصوص حالة الزواج المبكر للقاصرات، ما جعل الظاهرة تتفاقم، إذ تكشف الإحصائيات التي أوردها وزير العدل المغربي بتاريخ 22 يوليوز 2010 أن وزارته استقبلت خلال عام 2009،  38.710 طلبا، منها 379 من القاصرين الذكور، و38.331 من الفتيات القاصرات. وسجّلت تلك الإحصائيات أن 33 ألفا من المتقدمين بهذه الطلبات يتراوح عمرهم  بين 15 و17 عاما، ومن مجموعها، تم قبول زهاء 33.596، بينما رفضت 4151 قضية[38].كما سجّلت المحاكم المغربية سنة 2019 تقديم أكثر من 17 ألف طلب لتزويج القاصرات تحت غطاء الحالات الاستثنائية[39]. وشهدت سنة 2022 كذلك تسجيل 20097 طلبا للحصول على الإذن بزواج القاصر، تم رفض 6445 منها، بينما تمت الاستجابة لما مجموعه 13.652 طلبا[40]. ووفقا لتقرير “حالة سكان العالم” الذي نشره صندوق الأمم المتحدة للسكان، فإن نسبة زواج الأطفال عن عمر 18 سنة بلغت بالمغرب 14 بالمائة ما بين 2005 و2020، فيما قدر معدل الولادات لدى المراهقات المغربيات في سّن تتراوح ما بين 15-19 عاما بـ 19 لكل ألف فتاة ما بين سنتي 2004 و2020.[41]

وتستوجب مثل هذه الحالات الإحصائية مراقبة زواج القاصرات مراقبة شديدة، تجنّباً للتحايل على قانون مدونة الأسرة. ويخيّل إلينا أن تقليص فرص الاستثناء وتحديدها، ومراقبة تنفيذها تنفيذا دقيقا وسليما، وتحديد الاستثناء لزواج القاصرات بسنّ لا يقل عن 17 سنة، مع توفير كل الوثائق التي تؤكد الاستثناء، يمكن أن يشكل منطقة تلتقي فيها مواقف الإسلاميين والحداثيين، مع التحسيس الإعلامي بأخطار الزواج المبكّر الذي لا تكون فيه الفتاة قد بلغت النضج.

ومما يعكس حاجة القوانين إلى تغيير العقليات وتطهيرها، أنه حتى في ظل وجود قوانين يخرج منها ضوء خافت في مجال حرية المرأة، فإن الصعوبة التي تطرح في مجال التطبيق، تحد من كل طموح لاستثمار هذا المكسب، فالدراسات حول معاناة المرأة المغربية أمام المحاكم، وعدم احترام النصوص القانونية، تجعلنا في غنى عن التفاصيل[42].

                  ولعلّ ما يؤكد الحاجة لتغيير العقليات قبل تغيير النصوص القانونية التي تجهض حرية المرأة في مدونتي الأحوال الشخصية والأسرة، هشاشة العقلية النسائية نفسها، بسبب تسليم العديد من النساء بسمو مرتبة الرجل، والقبول بالتعايش مع البيئة الذكورية الإقصائية، وإعادة إنتاجها في كل مناسبة، ورفض تغيير أوضاعهن للتصالح مع حقهن في الحرية. تتجلى هذه المفارقة في صيغ متنوعة المظاهر: فالنساء المغربيات اللائي حققن نجاحات أو إنجازات متميزة، تحرصن على تقديم إنجازهن كإنجاز أنثوي “استثنائي” يحمل شحنات من علامات الفخر والتحدي، وقياس قيمة النجاح بأنوثتهن مقارنة مع الرجال، وكأن الرجل هو المعيار الذي يقاس عليه نجاحهن، لأنه يتبوأ المكانة التي لا يعلى عليها، وهو ما يزيد في تكريس فكرة التسليم ببقاء المرأة في خانة الأنثوية الدونية.

وتثبت نتائج بعض الدراسات الميدانية أن مفاهيم الرجولة والقوامة وتحمّل الرجل المسؤولية، لا تزال مهيمنة على عقلية  بعض نساء المغرب اللاتي لم يتزحزح وعيهن عن الاقتناع بقبول تقسيم الأدوار بين الجنسين حسب التصورات التقليدية[43].ويوحي هذا الوعي السلبي بأن عقدة التنشئة ووطأة الماضي، لا يمكن أن تغير العقلية المغربية بقرار أو قانون تصدره جهة معينة. فحرية المرأة ليست قانونا أو مرسوما نظرياً، بل هي إيمان واقتناع، عمل وتطبيق، وممارسة واجبة، وإلا فقدت الحرية النسائية معناها[44].

                  وكلما ترسخت هذه الذهنية النسائية التي تعكس تبعية المرأة للرجل، ازدادت العقلية الذكورية توغلا في نسيج المجتمع المغربي. وأظن أن هذه المعضلة من بين الإشكاليات المستعصية التي ينبغي أن تتوحد حولها جهود الإسلاميين والحداثيين لإشاعة مناخ التقارب، فبنية العقل المغربي الذكورية تشكلت تاريخيا وفق تصورات إقصائية للمرأة، إلى درجة أن وعي الرجل تشكل من خلال فكرة أنها جزء من متاعه وممتلكاته، ومجرد تابع من توابعه وسلوكه، من دون أن يترك لها حقّ بناء شخصيتها المستقلة[45]. وحسبنا ما تكتنزه الذاكرة الشعبية المغربية من أفكار ومواقف سلبية تجاه النساء. فزواج المرأة يعتبر في ثقافة المجتمع المغربي فرصة للتخلّص منها، وإراحة عبء الأسرة من مشاكلها. كما أن عودتها إلى البيت في حالة طلاقها، تعدّ كارثة بشرية تلحق بأسرتها[46].

وارتباطا بفكرة التخلّص من الفتاة من خلال تزويجها، قَعَّدَ المجتمع لظاهرة تشجيع تعدّد الزوجات، وهو ما تعكسه الأمثال الشعبية المغربية أيضا[47]. وإذا اتفقنا مع المقولات السوسيولوجية التي ترى في  مثل هذه الأمثال انعكاسا للعقل الجمعي، وما يحمله من شحنات التحامل والأحكام القدحية تجاه المرأة، والوقوف ضد تبوئها مراكز القرار[48]،  ندرك مدى ترسّب هذه الذهنية في طبقات عقل المجتمع المغربي  إلى درجة يصعب زحزحته عن هذا الموقف المتجذر، لأنه يتأسس حسب تعبير “بيير بورديو” على قواعد وضعها النظام الذكوري المهيمن على المجتمع، وما يترتب عن ذلك من تمييز في تقسيم الأدوار بين الذكر والأنثى[49].

ففي كل مراحل تلقي النص الديني وتفسيره وفي كل العلوم المحيطة به والناشئة على تخومه، لا صوت يعلو على صوت الضمير المذكر. وحتى الأحاديث المروية عن نساء مثل السيدة عائشة التي نقلت ما يناهز ثلث المتن الحديثي،  تحددت صورتها الأخيرة بأقلام ذكورية[50]. وهذا ما يفسر لماذا لا نجد عبر كل عصور التاريخ الإسلامي، ولو تفسيرا قرآنيا واحدا حبّرته امرأة مسلمة؟[51]. وكيف بقيت حرية المرأة ومساواتها مع الرجل تعالج بعقلية أبوية[52]، سماها المفكر العربي فهمي جدعان  ب”الإبستيمولوجيا الأبوية السلطوية”[53]. وتزداد شوكة الأبوية السلطوية  حدّة في الدولة الذكورية التي تعامل الرعية وضمنها النساء كقاصرين يلزم فرض الوصاية عليهم، وهو ما اعتبره أحد المنظرين للحرية حطّاً من قيمة البشر[54].

وبالمثل، نحسب أن تغيير الصورة النمطية التاريخية التي ترسخت في مخيال المجتمع الذكوري حول المرأة تستدعي تغييرا في العقليات التي تأصلت تحت سلطة ثقل فقه العصور الوسطى. ولا غرو فقد نظر الفقهاء إلى المرأة المغربية في تلك العصور بنوع من الازدراء، حين رموها بتهمة ضعف العقل والغباء، وانعدام التفكير السليم لديها[55]،كما جعلوها رمزا للشرّ والغواية[56]. ولا يزال هذا النسق الرمزي بمعالمه السلبية، يفرض سلطته على مجمل العقلية العربية والمغربية حتى التاريخ الراهن، ويخترق أسوار الوعي المجتمعي ليصل إلى المجال الأخلاقي القدحي. فالمرأة وفق هذا النسق تتصف بالخبث والكذب والسحر وخفّة العقل والغواية. بل إن الأمثال المغربية شيطنتها وجعلتها أكثر من الشيطان قدرة على التوغل في دهاليز المكائد والدسائس والمكر[57]، وصنّفتها كمصدر كل شر وفساد وبلية وفتنة !.

لا شك أن العنف الرمزي ضد النساء يتميز بقدرته على التخفي والانسياب في العقل، من دون أن يشعر صاحبه بهذه القوة التي ترغمه أو تخضعه أو تستلبه، حيث يتغلغل في الطبقات الذهنية التي تبرمجه بصورة لاواعية، فتجعل المرأة والرجل معا يستبطنان رموز هذا العنف بطريقة تبدو وكأنها قيّم أخلاقية وأعراف اجتماعية ينبغي احتضانها والدفاع عنها، فتصبح المرأة بموجب ذلك تدافع عن استبداد الرجل وطغيانه الذي يمتهن كرامتها[58].بل يصبح تسلّط الزوج من العادات المألوفة والمقبولة والمتداولة داخل المجتمع، فلا يكون الرجل رجلاً  إلا إذا  امتلك قدرا كبيرا من التسيّد والسيطرة على زوجته، وهذا ما يلاحظ في الوسط العامي ، لا  بل حتى في أوساط بعض المثقفين أنفسهم.

وزادت عقلية بعض النساء المغربيات من تكريس العقلية التمييزية بين الجنسين وتقبلها، بل وحتى الدفاع عن استبداد الرجل والتبعية المطلقة له.فحرية المرأة تتحوّل عندهن إلى “حرية مخيفة” بعد التعوّد على التعايش مع الخنوع والقهر لدهور خلت[59]، فيتحولن بذلك إلى “نساء ذكوريات”، متحالفات مع الرمزية الذكورية، وغير قابلات للانفصال عنها.

وتثبت الدراسات الميدانية السالفة الذكر، أن بعض النساء لا تتقبلن فكرة وجود المرأة من دون الحاجة إلى “الرجولة” و”الحماية” بمفهومها التقليدي الذي يجعلهن مجرد امتداد للرجال، ويصبح الرجل في عقليتهن مصدراً لقوتهن، خاصة في أزمنة النوائب، ولحظات الشدة والأزمات. ويشعرن – تبعا لذلك- أن الرجل “من ضرورات الحياة” التي لا يمكن الاستغناء عنها، حتى ولو كان مصدر إذلال لهن. 

هذا الشعور الأنطولوجي في العقلية النسائية المغربية، وارتباطه بوجود الرجل/ الزوج الحامي لها، جعل الأخير يتشكّل في وعيهن كمجال زمني لا نهائي، تعشن في دوائره برضى وقبول منهن، فيتمثّلنه كرمز  لقهر نوائب الزمن[60]، وهذا ما يفسّر كيف أصبحت حريتهن لا تتحقق إلا من خلال الرجل وبوجوده.

ولعلّ عقدة خوف الأنثى من الحرية من دون وجود الرجل في حياتها، ما جعل بعض النساء المغربيات يتحولن إلى مدافعات ومناصرات لواقعهن العبودي، بل تهاجمن أحيانا أقلام الحقوقيين الذين يدافعون عنهن ، ويعتبرن  أي مطالبة بحريتهن جريمة، فيكرّسن بذلك استلابا خطيرا  يتوارى وراء ستار الدين والتقاليد، ويقعن في فخ الظاهرة النفسية المعروفة باسم متلازمة ستوكهولم  Stockholm syndrome التي هي عقدة نفسية تشير إلى دفاع الرهينة أو السجين عن سجانه. ولا شك أن هذه العقلية المتعايشة مع العبودية والحجر،  تزيد من سمك استبداد الرجل الذي يصير مقتنعاً بأن التسلط دليل على رجولته.

وتحت وطأة هذا الاستلاب الرمزي، تفرغ المرأة ذاتها من المضمون الإنساني، وتحرم نفسها من امتيازاتها الاجتماعية وحقّها في الحرية والتبعية للرجل، فتضع نفسها في خانة الكائن بغيره، لا الكائن بذاته. الكائن الذي يرضى بوضعيته الدونية، من دون رفض أو معاندة أو مقاومة، فتضفي بذلك طابعا شرعيا على دونيتها، وعلى عبوديتها الاجتماعية عبر نسق من المفاهيم والمقولات التي تستلبها على مرّ الزمن بأدوات تربوية تغذي رموز الدونية والعبودية النسوية[61]. وبذلك يكون النص القانوني المحصّن لحرية المرأة في مسيس الحاجة إلى التخلص قبل كل شيء من “فوبيا الحرية النسائية بدون رجال”، واسترجاع الثقة في النفس، حتى تكون المعركة القانونية التي تقمن بها معركة مضمونة النجاح، ويصير المجتمع برمته متحررا من العقلية الذكورية والوصاية التي يتشبث بها.

وفي سياق التقريب بين المرجعيتين، يمكن استثمار  تعاليم الإسلام السمحاء للنظر إلى النصوص الدينية الخاصة بعلاقة الجنسين من خلفية اجتماعية وأخلاقية وفكر عادل، واحترام تام للمرأة، لكبح العقلية الذكورية الاستعلائية وتحويلها إلى دافع للتراحم والحب والمشاركة المتبادلة، واعتماد الآليات التربوية ووسائل الإعلام بكل أصنافها لزحزحة عنجهية الرجل، وتشبثه بأهداب النظام الأبوي، وإعادة شحذ وعي المرأة بإنسانيتها، وبأنها كائن على قدم المساواة مع الرجل، ومشاركاً له في نظام الحياة على أسس إنسانية دون خوف من عقدة الحرية. ويفهم من هذا القول أن التقريب بين التيارين المتدافعين ينبغي أن يتوحد حول معركة مناهضة العقلية الذكورية التمييزية القائمة على الغلبة والشدة والتحكم، والمدعمة بفقه ذكوري، وظف لتبرير واقع ثقافي في مرحلة ما قبل الوحي، تسيّد فيه الرجل، وغدت فيه المرأة مواطنة من الدرجة الثانية.

لذلك أحسب أن الإعراض عن العقلية الذكورية رغم صلابتها وترسخها في بنية المجتمع المغربي تحت تأثير سلطان التراث والتاريخ،  يخصّب عملية التقريب بين التيارين المتدافعين.

                  يستشف مما ذكرناه أن عملية تغيير الذهنيات هو الكفيل بأجرأة القوانين التي تكفل حرية المرأة المغربية، وما لم يتم تغيير العقليات الذكورية والنسائية معاً، فإن القانون يبقى مجرد صيحة في واد. فمعطيات الواقع المعاش في مجتمع محافظ، يؤكد أن الذهنية الاجتماعية تتحاشى تطبيق القانون حتى ولو تمّ إصداره، لأنه نتاج عقل ذكوري، علما أنه في حالة افتقار القانون لآلية المتابعة والتنفيذ لضمان الحقوق، فإن هذه الحقوق (( تبقى حروفا ميتة)) على حدّ تعبير المفكر العربي عزمي بشارة[62].

ويخيّل إلينا أن مثل هذه العقلية، تتطلب إزالة الغشاوة السميكة التي تهيمن على ذهنية المجتمع رجالا ونساء، وتفتيت قشرة الأفكار والمواقف المتصلبة التي ما فتئت تحكم وجدان وخيال وعقل الأفراد والجماعات، وتحرير العقل والأفكار بموازاة مع معركة تعديل قوانين مدونة الأسرة، وهو ما ينبغي أن يتمحور حوله النقاش، وتتكاثف فيه قوى الحداثيين والإسلاميين لتوحيد زوايا النظر  للتقريب بينهما. وقد سبق للمرحوم علال الفاسي منذ عقود أن ربط بين التحرر من العقلية الذكورية المسيطرة، ومن سلطة التقليد كمدخل أساسي لحرية المرأة المغربية[63]. لذلك يبدو أن مسألة الحرية النسائية رهن بالتحرر من سطوة هذه العقلية، حتى لا تعيد إنتاج مجتمع ذكوري بقناع آخر، وبمشهد جديد.

والحاصل أن تغيير الذهنيات، وإعادة تشكيل الوعي لدى الرجل والمرأة، ورؤية الأشياء  بتعقل وبُعْدِ نظر، مع تقدير ثقافة المجتمع وتوازنه، يكون سندا قويا للقوانين التي يعجز الواقع عن تفعيلها. وعلى العكس، لا يضير إن تمّ تغيير العقليات في إطار توافقي ولو على حساب القانون، لأن في ذلك تصفية للمشاكل القانونية التي لا تصبح الحاجة إلى نصوصها مطلوبة، وبالتالي فإن حدة الاختلاف ستخفت، وتصبح العقليات هي المحرك للحرية النسائية، وليس القانون والعقاب والتخويف.

                  وفي نفس منحى تغيير الذهنيات، يبدو أن التقريب بين أنصار المرجعية الإسلامية، والمرجعية الدولية حول موضوع المساواة والتماثل بين الذكر والأنثى، يستدعي في تقديرنا تناوله بكثير من التفكير والتعقّل. فلا شك إن مشروع خطة العمل الوطنية لإدماج المرأة في التنمية يزخر بمطالب لتغيير قانون مدونة الأحوال الشخصية الخاصة بالأسرة، وتشريع قانون الحرية والمساواة مع الرجل، وهذا حق طبيعي لأي فرد أو فئة اجتماعية تشعر بأن حقوقها مهضومة. غير أن هذا التوجه على قيمته، يبقى خاوي العطاء إذا لم يصاحبه فهم لعقلية المجتمع.

                  حقا، إن المساواة بين الجنسين التي طالبت بها خطة العمل الوطنية لإدماج المرأة في التنمية مبدأ حيوي، لكن عند التطبيق، يمكن النظر إليها بمرجعية العدالة المنبثقة من القيّم والعادات والتقاليد والتكوين البيولوجي. فعلى سبيل المثال لا الحصر، عندما تتشبث المرأة بمبدأ الحرية والمساواة المطلقة مع الرجل إلى درجة التماثل النوعي ،فهي لا تستحضر تكوينها البيولوجي الذي يحدد مساحة حريتها، ولا تراعي القيّم التي تصون السلم المجتمعي. فالمساواة ليست وصفة كونية جاهزة، أو مساواة ميكانيكية رقمية بالفواصل والكسور، بل هي قيمة نسبية، تحددها الشعوب حسب تشريعاتها وثقافاتها وبيئتها التي تمتح شرعيتها من العقل الجمعي، ومن أسسها الفكرية والدينية، التي تصير خيطا ناظما لتحديد سقف الحرية وطبيعة المساواة والعدالة.

لذلك نرى في سياق عملية التقريب بين وجهات النظر، أن بعض ما ورد في خطة العمل الوطنية لإدماج المرأة في التنمية حول مبدأ المساواة، يمكن تمثّله في صيغة تكفل الحقوق للرجل والمرأة معا، دون شطط يصل إلى حدّ التماثل البيولوجي، ولا تفريط يبلغ تجريد المرأة المغربية من حقها في حرية اختياراتها، وفي أنوثتها، مما يجعلها متطابقة مع روح المساواة وليس تعبيرا حرفياً عنها. ويمكن لهذه العدالة أن تتطور في تطبيقاتها مرحليا، وتتدرج إلى أبعد نقطة، من دون أن تتصادم مع ثقافة المجتمع وقيّمه التي تتلوّن هي نفسها بألوان جديدة مع تغيّر الظرفيات.

وعلى غرار المساواة، يمكن أيضا التقريب بين وجهتي التيارين المتدافعين من خلال إعادة النظر في مسألة تعدد الزوجات بكثير من الليونة. فقد سبق أن ربطنا النص القرآني الذي أباح التعدد بسياقه التاريخي المتمثل في غزوة أُحُد التي استشهد فيها عدد من المسلمين، مخلفين وراءهم عددا من الأرامل، مما زاد من الحاجة للتعدد. لكن الإباحة لا تعني إلزاميته، كما أن تركه لا ينقص ذرة من وزن إيمان المسلم. ومعلوم أن هذه الإباحة ليست مطلقة، ويمكن للقانون أن يتدخل لتقييدها أو منعها أو إجازتها بشروط صارمة حسب ما تقتضي حاجة المجتمع الذي تمثل المرأة نصفه، من دون أن يعتبر ذلك تغييراً لحكم شرعي.

بموازاة مع ذلك ، يمكن إعادة النظر في ولاية التزويج[64]، وفتح الحوار حول هذه القضية في مناخ من التقارب والاعتدال الذي يتأطر بالبحث السوسيولوجي الميداني، ونتائجه التي تفصح عن كثير من المواقف المنبثقة من المعيش اليومي. وعلى ضوئه تبتكر الحلول القانونية المتلائمة مع الواقع الذي ينطق بحاجة المرأة للتصرف في عقد زواجها بكل حرية.

ويمكن في سبيل حلّ هذه الإشكالية والتقريب بين وجهتي نظر التيارين المتدافعين، الاستئناس ببعض المذاهب الإسلامية الأخرى غير المذهب المالكي الذي هو المذهب السائد في المغرب، بهدف إيجاد حلّ توافقي، وتطعيم ولاية تزويج المرأة المغربية بمخرجات إضافية. فمن المتعارف عليه أن ولاية التزويج  ليست نصّا قطعيا بدليل عدم ضرورته في بعض المذاهب الأخرى كالحنفية، علماً أن الاختلاف بين فقهاء المذاهب ليس اختلافا جوهريا، بل هو اجتهاد عبّر عن قدرة الفكر الإسلامي على التأقلم مع مختلف البيئات، وما أحوج المجتمعات الإسلامية إلى الاجتهاد، ولو على حساب المذهب السائد، مراعاة للمصلحة العامة، ومصلحة المرأة في تقرير مصيرها وحياتها الأسرية.

وفي سياق تغيير الذهنيات لإعادة إنتاج حرية المرأة وصيانة حقوقها، يبدو لي أن مسألة التقريب لا تحقق هدفها بمعزل عن إصلاح منظومة التعليم المكرسة لدونية المرأة، وللتناقضات التي قام عليها الاختلاف بين التيار الإسلامي ونظيره الحداثي، علما أن المدرسة هي مصنع إنتاج العقليات والقيّم.

ونظرة فاحصة في ثنايا الكتاب المدرسي في المغرب يكشف دوره السلبي في تكريس دونية المرأة،مقابل تلميع صورة الرجل. وتزيد المدرسة بكل مكوناتها في تعميق التمييز الجنسي في عقول مرتاديها من التلاميذ، وترسيخ الهيمنة الذكورية في أذهانهم، فيتعوّد التلميذ على إنتاج وإعادة إنتاج هذا العنف الرمزي، وأنساق أخرى من الرموز التي تهدر حقوق المرأة، وحقها في الحرية على الخصوص. وترتفع وتيرة الاستلاب الرمزي في الكتب المدرسية التي غالبا ما تقرن المرأة بالوظائف المنزلية والسعي لإرضاء الزوج، وتقديمها في صورة الجنس الناعم، المتميز بالضعف والهشاشة، والرقة والحنان والطاعة، مقابل الرجل البطل والمصارع والمتحدي للصعوبات.

وتزيد المدرسة من استنبات هذه الثقافة السلبية في ذهن الطفل، وتثبيتها بشتى الأشكال، حتى تتأصل فيه خلال المراحل العمرية التي يصل فيها إلى ذروة الإدراك وتمثّل القيّم، فتصبح عنده بمثابةحقائق مطلقة، تزيد من تمتين فكرة الهيمنة الذكورية، وتبخيس حقوق المرأة، وتصبح سلطة التمييز الجنسي منقوشة فيوعيه، وقادرةعلى التخفي والانسياب في العقل حتى من دون  شعور.

ومن المفارقات الغريبة أن حتى اللغة العربية التي يتعلمها الطفل في المدارس، تكرّس التمييز بين الجنسين:  فالقواعد النحوية والصرفية، ترسخ التراتبية بين الجنسين بأفضلية المذكر على المؤنث، فيتسيّد ضمير المذكر مفردا وجمعا، ويصطدم جمع الإناث بالتأنيث بوجود ذكر، فيُذَكَّرُ الجَمْعُ[65]، مما يستلزم التوعية بأن هذا التمييز اللغوي لا ينطبق البتة على واقع المرأة.

تأسيسا على هذه المعطيات، أحسب أن تحرير  المنظومة التربوية مما تحبل به من دلالات رمزية تكرس النظرة التحقيرية للمرأة المغربية، وإخراجها من أقفاص الاستلاب الرمزي، تمثل حقلا مشتركا للعمل والتعاون، تقع مسؤوليته على أنصار المرجعية الإسلامية، والمرجعية الدولية، وتوحيد جهودهما معاً. فلو  تجنّد التياران معاً لخوض معركة تصحيح النظام التعليمي، وما يختزنه من تصور نمطي مغلوط حول المرأة، لاستطاعا تحرير عقلية الأطفال المتمدرسين من التنشئة حول مركزية الرجل، وتجاوز عدد من المطبّات من الطريق المفضي إلى التقريب بينهما.

ومن جبهات المعارك المشتركة التي نقترح أن تتظافر فيها جهود الطرفين لمناهضة العقليات المترهلة في المجتمع المغربي، الثقافة الأسرية السائدة التي تكرّس دونية النساء. فصناعة هذه الصورة التمييزية تبدأ في فضاء الأسرة نفسها، وتتشكل بداية ألوانها الكاشفة منذ المرحلة الجنينية، حيث تعيش الأم الحامل حالة قلق وتوتر طيلة مدة انتظار المولود الجديد، وتتطلع أن يكون ابناً ذَكَراً، حتى لا تثير غضب الزوج وأقاربه إذا كان المولود أنثى، وإن كانت الدراسات والإحصائيات تكشف عن بداية  تراجع هذه الظاهرة ابتداء من الألفية الثالثة.

فمن نصف النساء المتزوجات المستجوبات اللائي عبّرن عن لامبالاتهن تجاه جنس الطفل عام 1997، ارتفعت هذه النسبة إلى 54.4 % سنة 2018. وفي المناطق الحضرية، انتقلت النسبة من 44.6%في عام 1997 إلى 52.2 % في عام 2018.

وتؤكد الأرقام الإحصائية أن تفضيل الجنس الذكر قد انخفض من 25.6 %​​إلى 19 %خلال نفس الفترة. أما بالنسبة لتفضيل أصل الإناث، فقد شهد انخفاضًا طفيفًا، من 29.8% إلى 28.8%[66].

ومع ذلك فإن مثل هذه العقلية التفضيلية للجنس الذكر تزيد من عمق الوضعية الدونية للمرأة، لذلك ينبغي في سياق التقارب أن يتعاون التياران معاً لتجاوزها بالحلقات العلمية والندوات المشتركة واللقاءات مع الجمهور والكتابات في الصحف والإعلام، بهدف إشاعة الوعي الأسري وتنقيته من الشوائب التي تميّز بين الجنسين.

2-3: في الحاجة للاجتهاد لإنتاج وعي بديل بالحرية النسائية:

الاجتهاد نظام معرفي يقتضي بذل الجهد واستفراغ الوسع، للوصول إلى الحكم الشرعي بالنظر والاستدلال والاستنباط والاستقراء. كما أنه  أيضا منهج في النظر، وطريقة في التعامل مع العلم الشرعي، وتقدير الأوضاع والتحولات والمستجدات لاستنباط كيفية مواجهة الواقع، والتمكن من أدوات المعرفة لفهم قضايا العصر ومكوناته ومتغيراته، خاصة أن علم الفقه صناعة بشرية قابلة للتمحيص والمراجعة، وخصوصا بعض النصوص التي  لا تحقق المقصد الذي شرعه الله لعباده. فالمجتهد في هذه الحالة لا يعارض النص، بل يبحث الحكم المستنبط منه فقط، بهدف تحقيق المقاصد التي أرادتها الحكمة الإلهية، وعلى رأسها المصلحة العامة. ومن نماذج الاجتهاد في النصوص القطعية على سبيل المثال، اجتهاد عمر بن الخطاب في موضوع قطع يد السارق في عام الرمادة، وعدم تنفيذ تلك العقوبة بسبب الظروف الاستثنائية، انطلاقا من النص القرآني: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾[67].

والاجتهاد في نصوص القوانين التي تكبح حرية المرأة المغربية أمر مطلوب وفق في الأحكام الشرعية المقاصدية. وتتأسس مصداقية المجتهد من الروح الأخلاقية، حتى لو تعارضت مع قناعاته.وفي حالة تعارض النصّ مع المصلحة، يمكن تغليب كفّة المصلحة، لأن النص ثابت، والمصلحة متغيرة بتغير الأزمنة والظرفيات[68].

ومع أن القاعدة الفقهية تنص على أنه” لا اجتهاد مع وجود النص”، فإن ما لم يفطن إليه بعض الفقهاء أن هذه القاعدة عامة، وأنها تحتمل تخصيصا بقاعدة فقهية منهجية مفادها أن(( ما من عام إلا وقد خص))[69].

والثابت أن بعض علماء الدين اجتهدوا في النصوص تخصيصا وتقييدا ونسخا وتنزيلا بحسب متغيرات السلم والحرب، والأمن والخوف، وقوة الدولة وضعفها، وذلك في جلّ حقب التاريخ الإسلامي، وصنّفوا في هذا الباب، وأصّلوا الأصول، واستخلصوا المقاصد الشرعية[70]، وأفلحوا باجتهاداتهم في حلّ المشكلات المعقّدة والمستعصية.

وفي تقديري أن أصل التحدي في الاجتهاد  مرتبط بالبنية الذهنية، وأن تغييرها في الاتجاه الإيجابي، وخلخلة البنى المعرفية السائدة، يعدّ مفتاحا لإنتاج وعي اجتهادي يراعي المصلحة العامة، ويستثمر ليونة النص الديني وثرائه وغناه، وجنوحه لمصلحة المرأة والرجل معاً ليتفاعل به وعبره مع مستجدات الزمن الراهن.

ولا يمكن لهذا الوعي أن يكون مؤثرا وناجعا، إلا باستناده إلى مكتسبات العلوم بكل تفرعاتها، واجتراح الخطاب التراثي الذي يكرّس دونية المرأة، وتحرير العقل من اليقينيات والأحكام القطعية الوثوقية، وإفساح المجال لحرية التعامل مع النصوص التراثية باعتبارها إنتاجا بشريا قابلا لكل قراءة ممكنة تستثمر الدلالات الإنسانية في النصوص القرآنية القطعية، من منطلق اجتماعي وأخلاقي، ومن تعاضد نور العقل وبصيرة الإيمان.

في هذا السياق إذن، يمكن قراءة علاقة الاجتهاد في التقريب بين أنصار المرجعية الإسلامية والحداثيين. ويجدر التنويه أن مناطق التقريب بين الطرفين تحت مظلة الاجتهاد، يمكن استنباطهما من منطقتين: منطقة النصوص الظنية الدلالة، وهي التي عادة ما تطرح قضاياها ومسائلها على مائدة الاجتهاد ومناط المقاصد، وتقييم الآراء ومقارنتها، قبل الترجيح  والمفاضلة بمرجحات الدليل والنظر والمقايسة والاستصلاح، وغيرها من أدلة الأصول التي تفتح هامشا كبيرا من الحرية، وفق ما تقتضيه مصلحة المجتمع، والمسألة مدار الاجتهاد.

بينما تمثل المنطقة الثانية منطقة الإباحة أو ما يعرف بمنطقة العفو التي يمكن أن يتوسل عندها بشتى أصناف المعارف والعلوم الدقيقة. ويمكن أن توظف فيها خبرة القضاء والطب وغيرها من الأدوات التقنية التي يتم الاشتغال بها وفق ما تسمح به علوم العصر، بما يخدم حرية المرأة ويحسّن أوضاعها[71].

وبتمحيص مستند خطة إدماج المرأة في التنمية، نقف على تقاطع مطلب الاجتهاد عند أنصار المرجعية الدولية، مع ما يعتبره أنصار المرجعية الإسلامية منجزاً من منجزات الحضارة الإسلامية في التفاعل الكوني. وهذه نقطة مشتركة يمكن استثمارها للتقريب بين الطرفين، وتذليل الاختلاف المنهجي الاجتهادي في التطبيق الخاص بالنصوص التي يعتبرونها قطعية وثابتة.

وفي تقديري أن معركة الاجتهاد تتطلب تغيير منهجية التفكير عند النخب، وخصوصا النخب الدينية والسياسية لدى التيارين المتدافعين لتسريع عقارب التقريب. والممكن المتاح في هذا الصدد يتمثل في تجنب نخب الإسلاميين والحداثيين انتقاء النصوص والأحكام الشرعية، ونصوص الاتفاقيات الدولية “الملائمة ” لكل منهما، بل وضعها على بساط الدرس والفهم والتأويل الصحيح، وترجيح كفّة النصوص التي تتفاعل مع متطلبات العصر، ومع روح القرآن الكريم، وكليات الإسلام، وتغليب ما هو إنساني، وما يضمن كرامة الرجل والمرأة معاً، بعيداً عن تقديس أي تفسير بشري قد يكون قابلاً للصواب والخطأ، وتجاوز أي سلطة ذكورية أو أنثوية موجهة بحسابات ذاتية، أو سياسية، أو ارتماء غير محسوب في اتفاقيات دولية قد تسيء إلى حرية المرأة أكثر مما تحررها.

وسعياً لإبراز يعض النصوص الدينية التي يمكن الاجتهاد فيها من دون الإضرار بالمبادئ الفكرية للطرفين، يمكن القول أنه بالنسبة للتيار الإسلامي، غالبا ما يستشهد ببعض الآيات القرآنية القطعية التي تحدد علاقة المرأة بالرجل بحصرها في أحكام جزئية، بمعزل عن سياق كليات القرآن، أو ما يعرف بالشمولية النصية Textualholism، ومنظورها للنص القرآني الذي يقتضي قراءته “كوحدة نصية” تنطوي على التماسك والاتساق، بما يعزز مبادئ العدل والمساواة والكرامة والحرية[72].  لذلك فإن البحث في حرية المرأة وحقوقها بهدف التقريب بين أنصار المرجعية الإسلامية وأنصار المرجعية الدولية يمكن أن يصاغ وفق رؤية منهجية تتوخى ربط الأحكام الجزئية بمراجعها العليا، بدل الاكتفاء بتبني نصوص جاهزة في كتب التفسير، أو تمّ إعدادها سلفاً في قرون خلت، من دون تمييز بين ما هو  تطبيق سليم لأحكام الشريعة، وبين ما هو وليد التقاليد والأعراف، أو نتاج تفسيرات فقهية فردية نُسِجَت في ظرفية تاريخية واجتماعية لها خصوصيتها[73].

لذلك من المنطقي أن يكون الأصل في الحكم الصادر في الجزئي تطبيقا للمبدأ الكلي. ولا ينفصل عن المقاصد العامة، وفقه الواقع الذي يتوجه نحو الخير والمنفعة للمرأة، ويبقى قابلا للاجتهاد في كل ظرفية حسب ما تمليه المصلحة العامة. ولا يمكن وفقا للإرادة الإلهية الحكيمة العادلة، والقاضية بتكريم الإنسان،- ذكراً كان أو وأنثى- أن تُظلم المرأة قيد أنملة، أو تُحرم من المساواة مع الرجل، وهو ما يتعزز بنصوص قرآنية تعبّر عن المساواة بين الجنسين في كليات العقيدة الإسلامية[74]، وتزكيه المتون الحديثية. فقد عدّ النبي عليه السلام النساء شقائق الرجال، واستوصى بهم خيرا في خطبة الوداع[75]، وجعل الجنة تحت أقدام الأمهات إجلالا وتعظيما لهن.

تأسيسا على ذلك، أعتقد أن لنخبة علماء الدين مسؤولية الاجتهاد لتنوير الرأي العام بهذه التأويلات الإيجابية للنصوص الدينية حول منظومة العدالة الجنسية التي تتضمنها، بما يفيد في التقارب مع وجهات النظر المخالفة التي تطالب بالإنصاف في مجال الإرث بالتعصيب، عن طريق فهم النصوص القرآنية والاجتهاد. وهذا ما يساهم في تحرير العقل المغربي والفقهي على الخصوص من سطوة القراءة الحرفية للنص القرآني، وتوظيف هذا التحرير العقلي لتحرير المرأة واقعيا. وعملية التحرير هنا تكتسب معنى دقيقا وإيجابيا، يحيل على الفعالية التي يقوم بها الإنسان كي يصبح حرّا: إنه التحيين التأليفي للحريات[76]، والتحرير التصاعدي الذي يبدأ بتحرير الفرد مما هو اجتماعي، وتوظيف العقل المحرّر اجتماعيا، لتحرير النص الديني الذي حوّله بعض الفقهاء من تشريع إلهي مرن، وقابل للتطوير والاجتهاد الفقهي المقاصدي لتحقيق التكريم الإلهي للمرأة، إلى تشريع تمّ تأويله بعقلية ذكورية ظالمة ومنافية لتعاليم الإسلام السمحاء، وهو ما يقتضي الاجتهاد وإعادة مراجعة النصوص الدينية مثنى وثلاثا ورباعا بهدف إنصاف المرأة المغربية.

جماع القول أننا حاولنا في هذا الفصل الأخير تقديم مقترحات أولية للتقريب بين وجهتي نظر متباينة ومتضاربة بين أنصار المرجعية الإسلامية وأنصار المرجعية الدولية.

           ركزنا في البدء على الدائرة التي ترسم منطقة وسطى يلتقي عندها أنصار المرجعيتين، وهي منطقة لا تتطلب سوى الإرادة القوية والفعالة لإنتاج خطاب مشترك، يتسم بالتعقل والنضج، ويتأسس على منهج توافقي تشاركي مندمج، بعيدا عن لغة الإقصاء والتفرّد،أو إقفال باب الحق في الاختلاف.

وفي نفس الدائرة التوافقية، اقترحنا ترتيب حوار بناء بين التيارين، يقوم على الإصغاء المتبادل، بغية تذويب الخلافات، والاقتناع بأن عدالة مطلب حرية المرأة المغربية قدر مشترك بينهما. ويستلزم تحقيق المشروع النسائي المشترك مراجعة الجانب الشكلي في أسلوب الحوار، والتحلي بأخلاق ومنهج المناظرة العلمية، وتبليغ أصوات الطرفين معاً إلى الرأي العام حتى لا يبقى الحوار نخبويا، أو سياسيا محضاً، ويرقى إلى مستوى التفاعل بين كافة مكونات المجتمع المغربي.

ولإنجاح التقريب بينهما أيضا، اقترحنا صياغة مفهوم مشترك للحرية النسائية يوحّد ولا يفرق، وذلك من خلال إعادة تأصيله مفهومياً وفلسفيا وتاريخيا، وتنزيله بما يناسب واقع المجتمع المغربي، وعدم النظر للحرية على أنها موضوع خلاف ونزاع، بينما هي في الأصل حلّ لكافة المشاكل، فالإشكالية لا تكمن في الحرية كقيمة، بل في العقل الذي يقرأ هذه الحرية.

وفي سياق التقريب كذلك، اقترحنا عدم الاقتصار في تناول موضوع الحرية النسائية بالمغرب على المرأة، بل إدماج الرجل، وجعله شريكا في هذه المعركة أيضا ضمن دائرة كلية مرتبطة بمؤسسة الأسرة، حتى يحدث نوع من التكامل في معركة الحرية والقيّم، وتتظافر جهود الجنسين معاً لإخراج التدافع من صورته الأحادية السلبية، وتحويل الاختلاف حول حرية المرأة كذات مفردة، إلى مطلب مزدوج ومتكامل يتوخى تحرير الجنسين معاً.

                  ولعلّ أبرز المقترحات التي ارتأينا أنها تزيد من عملية التقريب، تكمن في ضرورة إخراج مسألة حرية المرأة من العباءة السياسية، والمسبقات الإيديولوجية والحزبية، وفكّ الارتباط مع منطق السياسة القائم على الربح والخسارة، وإنزالها إلى ساحة الرأسمال المعرفي، ونتائج العلوم الاجتماعية والإنسانية والبحوث الأنثروبولوجية والميدانية، جنبا إلى جنب مع العلوم الفقهية، واستثمار نتائج هذه العلوم لتحرير العقل والأفكار، قبل تحرير المرأة المغربية. فالحرية النسائية – كما بيّن  منجزنا التحليلي- ليس إشكالية فقهية أو إشكالية قانونية، بقدر ما هي أزمة بنية ذهنية، يتدخل فيها الموروث الثقافي، وتتحكم فيها العقلية الذكورية. والنص القانوني وحده يظل عاجزا عن تغيير الواقع الاجتماعي إذا لم يكن مسنودا بخارطة طريق للتقارب، تقوم على نبذ العقلية الذكورية، وقراءة النصوص الدينية النسائية في دلالاتها الإنسانية وكليات مقاصد الدين الإسلامي.

وبالمنظور نفسه، اتضحت إمكانية التقريب بين المرجعيتين الحداثية والإسلامية بعدم التطرف في ترسيم حرية المرأة، ومعالجته بطريقة لا تشوش على العقل الأخلاقي، ولا تربكه باعتبارات غير وطنية، أو إنتاج حرية نسائية من خلال منظور لا متناهي، وغير مسؤول أو متمرد على ناموس الكون، حتى لا يعيش مغتربا عن تاريخيته وعن ذاته.

وفي نفس المسار الذي نسعى لتأثيثه بغية التقريب بين الاسلاميين والحداثيين، اقترحنا الإنصات بعمق وتؤدة إلى أصوات نساء ينتمين لما يُعرف بالنسوية الإسلامية التأويلية التي تشكل تقاطعا يلتقي فيه أفق التفكير لدى الإسلاميين بالحفاظ على المرجعية الدينية عند تناول موضوع الحرية النسائية، وجنوح الحداثيين  إلى تجاوز القراءات البشرية والمسلمات الفقهية التي أوّلت النصوص الدينية بعيداً عن مقاصد الخطاب الإلهي، مما يشكّل تحالفاً معرفياً مشتركاً.

كما اعتمدت مقترحاتنا في التقريب على مبدأ تجديد الخطاب الديني، واعتبار الأحكام الشرعية، أحكاما نسبية قابلة للاجتهاد، وأنسنة الموروث الثقافي، وتحويله إلى استراتيجية تعيد الاشتغال على الحقائق المعرفية والنصوص الدينية في تاريخانيتها، حتى تكون مواكبة للتحولات التي شهدها العالم الراهن، وهو أمر يمكن تفعيله إذا نظرنا إلى الأحكام الشرعية بمنظور عقلاني، ومن زاوية فقه المقاصد وفقه الواقع، بما يصبّ في مصلحة المرأة وتنمية المجتمع المغربي. ولن يتأتى ذلك بمعزل عن تأسيس فهمٍ دقيق لدور الإنسان في تنمية العمران البشري القائم على مبدأ إنسانية المرأة، وأنها كائن مكرّم دينياً، ومفضل على سائر الكائنات الأخرى مع الرجل – دون تمييز بينهما –  ومستخلفة في عمارة الأرض، وأنها بهذه الرسالة الاستخلافية، لا يمكن إلا أن تعيش في جنّة الحرية.


[1] لمرابط،  القرآن والنساء….م. س، ص2.

[2] نصار، باب الحرية…. م. س،  ص9.

[3]Saadi, L’expérience….op. cit, p 3.

[4] بوزغاية، نسائيات الملك….م. س، ص6.

[5] وزارة العدل، المملكة المغربية، دستور 2011، صيغة PDF، إصدارات مركز الدراسات وأبحاث السياسة الجنائية بمديرية الشؤون الجنائية والعفو، سلسلة نصوص قانونية، العدد 19،  2011،ص 21،  25، 62، 63.

[6] الحبابي، من الحريات إلى التحرر….م. س، ص 212.

[7] جدعان، أسئلة الحرية ….. م. س، ص 40.

[8] أومليل، في شرعية الاختلاف ….م. س، ص 84

[9] بشارة،  مقالة في الحرية……م. س،  ص 75.

[10]المرجع نفسه، ص 8.

[11]الريسوني، مقالات في الحرية….، م. س، ص 9.

[12] الفاسي، علال،  الحرية….م. س، ص 8

[13] الفاسي، علال، مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها، ط5، منشورات مؤسسة علال الفاسي، دار الغرب الإسلامي، بيروت 1993، ص 249.

[14]وهو ما يقرّه رواد الفلسفة التداولية المعاصرة، الذين ذهبوا إلى القول أن الحجاج الفلسفي التداولي هو فعالية استدلالية خطابية تبنى على قاعدة عرض رأي أو الاعتراض عليه، بغرض إقناع الغير بصواب الرأي المعروض، أو بيان بطلان الرأي المعترض عليه.

[15] العثماني، الصادق، “المرأة في القرآن الكريم وفي الفقه الإسلامي”، نشر بجريدة هسبريس بتاريخ 25/8/2020. وفيه يذكر أن السيدة عائشة وبَّخت أبا هريرة بسبب نقله حديثا نبويا من دون فهم معانيه ومفاده أن النبي(ص)قال بأن ثلاثة يقطعون القبلة: “الكلاب والحمير والنساء”. فقامت عائشة بتصحيح الحديث وأنكرت على أبي هريرة هذه الرواية، وقالت بأن رسول الله(ص) لم يقل هذا وإنما قال: “إننا لسنا مثل اليهود الذين يقولون بأن ثلاثة أشياء تقطع القبلة: “الكلاب والحمير والنساء”.

[16] إسماعيل، محمود، سوسيولوجيا الفكر الإسلامي، طور الازدهار، القسم 2: العلوم- الآداب- الفنون، سينا للنشر،  القاهرة، الانتشار العربي، بيروت 2000 ، ص 42 وما بعدها.

[17] السعداوي، المرأة ….م .س، ص71.

[18] الشرفي، محمد، الإسلام والحرية.. سوء التفاهم التاريخي، منشورات رابطة العقلانيين العرب، دار بترا للنشر والتوزيع، دمشق/ دار الجنوب، تونس 2008،  ص 124.

[19] جذعان، خارج السرب….م. س، ص 248.

[20] لمرابط، القرآن والنساء…م. س، ص 236.

[21] المتدين، عبد اللطيف، الحريات الفردية…. م. س،ص 251.

[22]أبو سليمان، ضرب المرأة….. م. س، ص 11.

[23]المرجع نفسه، ص 12.

[24]إدناصر، منازل المرأة…. م. س،   ص 162- 163.

[25]Lamrabet, Les femmes et l’Islam….op.cit, p10-11

[26] نص ورد ذكره في:  جذعان، خارج السرب…م.س، ص 37.

[27]المرجع نفسه، ص 41.

[28] لمرابط، القرآن والنساء….م.س، ص 12.

[29]المرجع نفسه ص 11.غير أن المؤلفة لا تدعو إلى القطيعة مع كل التفاسير القديمة باعتبارها تراثا، بل تدعو إلى تصحيحها من هفوات التأويل البشري الذي يكرّس اللامساواة  بين الجنسين. انظر المرجع نفسه، ص 12.

[30] جذعان،  خارج السرب…..م. س، ص 86.

[31]المرجع نفسه، ص 14- 15. وترى أيضا أن قراءة جديدة للنصوص الدينية من منظور نسائي، قد لا تكون هي الحل الوحيد للمشاكل التي تعيشها النساء في مجتمعاتنا المسلمة.

[32] الشرفي، الإسلام والحرية…. م. س، ص 125.

[33] سورة التوبة، آية 71 ؛ جذعان، خارج السرب….م. س، ص 78.      

[34]الخمليشي، وجهة نظر….م. س،  ج2، ص 117.

[35]Lamrabet, Les femmes….op.cit, p.115- 116.

[36]القضاء الأسري، الواقع والآفاق،  عشر سنوات من تطبيق مدونة الأسرة، مايو 2014، وردت في: معهد الدوحة الدولي للأسرة، حالة الزواج في العالم العربي،  منشورات دار جامعة حمد بن خليفة للمشر، الدوحة 2019،  ص 171- 172

[37] المرجع نفسه، ص 172.

[38]الأشرف، حسن، “علماء دين بالمغرب….م. س،الموقع الإلكتروني السابق.

[39] العمري، يسين،”التمييز ضدّ المرأة في الأمثال الشعبية المغربية وعلاقته بالهيمنة بالذكورية – قراءة تحليلية ونقدية”، نشر بموقع منار الإسلام للأبحاث والدراسات بتاريخ 29/7/2021 على الرابط: https://www.islamanar.com/woman-4

[40] كنين، آمال، “المحاكم تمنح 14 ألف إذن لزواج القاصر‎‎”، جريدة هسبريس، بتاريخ 6/2/ 2023.

[41]كنين، آمال، “تقرير أممي يرصد استمرار زواج القاصرات و”عنف الشريك الحميم” بالمغرب”، جريدة هسبريس، بتاريخ20 أبريل 2023.

[42] ينظر: صبار، الإسلام والمرأة…م. س، ص 143، 154، 158 ، 170.

[43] ينظر الدراسة الميدانية التي قامت بها أزرويل، نساء ورجال ….، م.س، ص 34 – 35، 39 – 40.

[44]Brunchving,Leon,Le progrès de la conscience dans la philosophie, 1927

ورد عند: الحبابي، من الحريات….،م .س، ص 199

[45] يقول المثل المغربي: “إلى كان الراجل كيضرب الطبل، لازم المرا تشطح”، انظر المرجع نفسه، والموقع الإلكتروني نفسه.

[46] يقول المثل المغربي: ” زوّجناها نرتاحو من هبالها، جاتنا وولادها وراها”، المرجع نفسه، في الموقع الإلكتروني نفسه .

[47]يقول المثل المغربي: “اللي مزوّج زُوجْ (أي زوجتان)، عريس كلّ ليلة”، المرجع نفسه، في الموقع الإلكتروني نفسه.

[48]من الإنصاف القول أن بعض الأمثال المغربية تشيد بالمرأة، ولكنها أمثال قليلة جدا مقارنة مع تلك التي أعطتها صورة نمطية سلبية.

[49]بورديو، بيير، الهيمنة الذكورية، ترجمة سلمان قعفراني، ط1، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2009، ص 27.

[50] قشوري، فاطمة، “الذات في مرآة الآخر”، ضمن كتاب خطاب المرأة ….م .س،  ص 130- 131.

[51] لمرابط، القرآن والنساء….م .س، ص 12.

[52]Lamrabet, les femmes…op. cit, p19

[53] جذعان، خارج السرب….م .س، ص 65.

[54]بيرلن،  آيزيآ، الحرية،  إعداد هنري هاردي، ترجمة معين الامام، منشورات دار الكتاب، مسقط،  2015، ص 97- 98.

[55] يقول ابن عبدون عن نساء  المغرب والأندلس خلال العصر المرابطي: (( فالجهل والخطأ  فيهن أكثر))، رسالة في القضاء والحسبة، نشرها ليفي بروفنسال، مطبوعات المعهد الفرنسي للآثار الشرقية،  القاهرة 1955، ص 46.

[56] منع الفقيه القاضي الأندلسي ابن المناصف النساء من الاختلاط بالرجال، بل وحتى حضور صلاة الجمعة، انظر: تنبيه الحكام، مخطوط خاص، ص14، 19. وانظر تفاصيل النظرة الدونية للمرأة خلال العصر المرابطي عند: بوتشيش، إبراهيم القادري، المغرب والأندلس في عصر المرابطين: المجتمع- الذهنيات – الأولياء، ط1، دار الطليعة، بيروت 1993، ص 43 – 44.

[57] يقول المثل المغربي: ” اللي يْديرُو الشيطان فْعَامْ، تديرو لَمْرا الشارْفَة فساعة”، ينظر: العمري، يسين، م.س،  في الموقع الإلكتروني السابق .

[58]وطفة، علي أسعد، الاستلاب الرمزي للمرأة….، م. س،  موقع جريدة المثقف الإلكتروني السابق.

[59]أزرويل، نساء ورجال….. م. س، ص 38-39.

[60]هو ما يعبّر عنه المصطلح المغربي الوارد باللهجة الدارجة على لسان الزوجة التي تصف زوجها بأنه “زمانها” كناية عن احتمائها به من نوائب الدهر.

[61] وطفة،علي أسعد،الاستلاب الرمزي للمرأة في مجتمع ذكوري”، جريدة المثقف، العدد 5449، بتاريخ 6/8/2021 ، نشر في الموقع الإلكتروني: https://www.almothaqaf.com/a/b6/947157، شوهد بتاريخ 6/8/2021.

[62] بشارة، مقالة في الحرية….. م.س، ص 78.

[63] الفاسي،  النقد الذاتي…. م .س،  ص 304 – 305

[64] تمّ إلغاء ولاية التزويج للمرأة في مدونة الأسرة بموجب المادتين 24 و 25، حيث تمّ تخييرها بين أن تعقد الزواج بنفسها، أو تفوض ذلك لأبيها أو أحد أقاربها حسب مصلحتها. انظر: مدونة الأسرة…..م. س، ص 15.

[65]بن الهذيلي، يسرى، “المرأة العربية ونمطية الصورة الأنثى/الذكر ولعبة المهد”، نشر في كتاب خطاب المرأة….م .س،  ص 126.

[66]Fizazi, Mohammed, Fille ou garçon? Les Marocaines penchent de plus en plus vers la descendance féminine, SNRT NEWS, 24/5/2023, consulté  le 24/5/2023 dans le site:

https://snrtnews.com/fr/article/fille-ou-garcon-les-marocaines-penchent-de-plus-en-plus-vers-la-descendance-feminine-75431

[67] سورة المائدة، أية 3

[68] السعداوي، نوال، وهبة رؤوف عزت،  المرأة والدين…..م. س، ص52.

[69] السبتي، مخلص، “ظاهر النصوص القرآنية: نظرتان متعاكستان لخطأ واحد”، مقال نشر في  جريدة هسبريس، بتاريخ 2/8/2023، شوهد بتاريخ 2/8/ 2023.

[70] نفس المرجع والموقع الإلكتروني للجريدة..

[71]التليدي، تأملات….م. س،  جريدة التجديد، بتاريخ  15/3/2003.

[72] جدعان، خارج السرب….م. س، ص66.

[73]الخمليشي، وجهة نظر …. م. س، ص 111.

[74] يقول الله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عامِل مِنْكُم مِنْ ذَكَر أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُم من بعْضٍ ﴾، سورة آل عمران الآية 195؛ ويقول أيضا: ﴿وَمَنْ يَعْمَل مِن الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُو مُؤْمِن فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا ، سورة النساء الآية 124. ويقول جلّ شأنه: ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ﴾، سورة التوبة، الآية 71.

[75] ابن هشام، عبد الملك بن أيوب الحميري،  تهذيب سيرة ابن هشام، تحقيق عبد السلام محمد هارون، ط6 ، مكتبة السُنة، القاهرة 1989، ص 286.

[76] الحبابي، من الحريات….،م. س، ص220

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق