المقالات

التاريخ الثقافي والاجتماعي للقبيلة في المغرب(عبد العالي قايدي )_ج2_

رابعا : القبيلة وحضورها المعاصر في المغرب:

لسنا بحاجة إلى التذكير بـأن المغرب الأقصى يمثل مجالا خصبا لحركة القبائل وحضورها حتى فترة قريبة، وهو ما جعل الباحثين في العلوم الاجتماعية يركزون على المجتمع المغربي أكثر من غيره، فقد أصبح المغرب مختبرا ملائما لاختبار المفاهيم والمقومات المتعلقة بالقبيلة كوحدة تحليل.

لم تتلق القبيلة المغربية صدمات قوية كتلك التي حصلت في الجزائر وبدرجة أقل في تونس، كما أن المجتمع المغربي حافظ عبر المراحل الحديثة والمعاصرة على خاصية التنوع والتعددية الإثنوسوسيولوجية وهذا ما سهل مهمة اتصال البحث الاجتماعي بالبنى الاجتماعية التقليدية في عمليات إعادة تشكلها أو في إعادة إنتاجها عبر تلك المراحل، لقد مثلت بعض المناطق ذات الرصيد الثقافي التاريخي القبلي، جاذبية لدى الباحثين، أكثر من غيرها، حيث ركزت أعمال الأنثروبولوجيين وعلماء الاجتماع الأوائل على مناطق الأطلس، أمثال بيرك ومونتاني، وحتى المعاصرين أمثال باسكون ورشيق.

كما تم التركيز على المناطق الجنوبية في بلاد سوس الأقصى، مثل دراسة على المحمدي لقبيلة آيت باعمران، ودراسات أخرى لمناطق الجنوب الأوسط مثل دراسة بول باسكون لحوز مراكش، حينما تناول التحولات الفلاحية لدى قبائل المصموديين وقبائل الماكلنيين والمحايدين [20].

لقد طرح موضوع القبيلة في المغرب في المرحلة الكولونيالية كمفهوم محوري في الدراسات وفهم آليات تحكمها [21].

لذلك ظهرت دراسات ميشوبيلير (Michaux Bellaire) وروبير مونتاني (R.Montagne)، كما تميزت دراسة جاك بيرك (J.Berque) بعمقها وجاذبيتها العلمية حينما انطلقت من افتراضات مونتاني، ويمكن تلخيص القضايا المركزية التي طرحتها تلك الدراسات في: خضوع القبائل المغربية إلى جدلية الصراع بين المخزن والسيبة.

نظام القبائل في تحالفات سياسية وأمنية جسدتها الأنساق المنبثقة عن نظام اللف.

اعتماد نظام تقسيم العمل الاقتصادي على أسس إثنية وقبلية.

خضوع العلاقات لما بين قبيلة إلى قانون الانصهار والانشطار حسب دوائر النفوذ والقرابة التي تخلق خارطة انقسامية.

أن القبيلة المغربية تعرضت في التاريخ الحديث والمعاصر إلى تغيرات وتحولات جذرية أثرت في حجمها ووظيفتها عبر المراحل المتتالية. وقد بينت الدراسات المقارنة أن عمق هذه التحولات والتغيرات يختلف من منطقة إلى أخرى، فاختلاف المحددات الإيكولوجية، وتبيان درجات التفاعل مع الدخلاء الأجانب، وتعدد أنماط الإنتاج وأشكال العلاقة مع الفضاء، أدت إلى اختلاف المواصفات المشتركة للمجموعات المغربية. فعلى الرغم من أن المغرب كان على الدوام يمثل كيانا يتكون من مناطق وجهات موحدة في إطار السلطة المركزية والروحية، فإن القبائل،  مع الإطار الشمولي الذي كانت تنتظم فيه، لم تكن على درجات متساوية من حيث مدى الاندماج والانصهار.

شكل التضامن والتلاحم على الدوام إيديولوجيا المجتمع القروي القبلي، فالعرف يكون قانونا وواجهة الدفاع لما يهدد الكيان من تضامن (مثال حرمان المرأة من الميراث).

لعب التصدي للتهديد والتسرب الأوروبي دورا في تحقيق التلاحم بين المجموعات والجهات وتجاوز النزاعات الداخلية.

قام الصلحاء بلعب دور مهم في تحقيق المصالحة الداخلية وتحقيق التوازن الأمني الداخلي، خصوصا في المناطق ولدى المجموعات التي لم يكن حضور الدولة المركزية فيها منتظما.

تراوحت علاقة القبائل، وبالتالي المجتمع الريفي، بالمخزن بين الاعتراف بشرعية السلطان وبين التمرد عليه بحسب الأحوال، كما لعبت مواقع المجموعات (جبل –سهل) دورا مهما في تحديد ملامح تلك العلاقة.

عززت الدولة الوطنية صيرورة التفكك القبلي عن طريق التقسيم الإداري الذي كسر الأطر القبلية وأزال الحواجز ما بين الجماعات. ولذلك لم تعد علاقة الدولة بالقرويين في حاجة إلى وسطاء (صلحاء)، فقد أصبحت علاقتها بهم مباشرة تارة، ومرتبطة بوسطات جديدة تارة أخرى.

وإذا كانت الحياة القبلية قد انهارت في الوقت الراهن سياسيا واقتصاديا وبدرجة أقل اجتماعيان فإن الذهنية والوعي القبلين بما يرتبط بهما من ممارسات لم يغيبا عن العلاقات الاجتماعية بمعناها الواسع حتى اليوم. يقول الهراس: “فخطوط الانساب والدواوير هي الوحدات القبلية الوحيدة التي حافظت على ارتباطها بالتراب. كما أن تجربة الانتخابات تبين بشكل واضح أن آثارها لم تمنح بعد من الأذهان، فكثيرا ما تقع تعبئة الشبكات العائلية والدينية والسياسية للدفاع عن المصالح الفردية والجماعية.

إن أبرز مظاهر التحول تلمس في انكفاء “الحياة القبلية” ضمن حدودها الدنيا، وتغير الروابط التربوية، إضافة إلى تقليص الحياة المشتركة. وهذا ما أكدته رحمة بورقية في كتابها المهم الذي خصصته لدراسة قبائل زمور. لكنها تؤكد مع ذلك أنه بقدر ما يشهد الحاضر مظاهر التحول، فإنه في الوقت نفسه يحمل بين ثناياه عناصر الاستمرارية والتواصل التي تتجلى معالمها في بعض المؤسسات والرموز.

طرحت الباحثة سؤالا مهما هو التالي: هل يمكن لنا أن نقول بأن الدولة الحالية تتسم بالقطبية مع التنظيم القديم “المخزن” أم أنها لا تزال تكتنف بقاياه؟ للإجابة عن هذا السؤال تم توظيف مواد مختلفة من الواقع الاجتماعي والسياسي ومن الأرشيفات العامة والخاصة للتدليل على أن الدولة الحديثة تعاملت بذكاء مع الإرث القبلي. لقد سعت إلى استبدال الأساس العرقي والسلالي بالأساس الترابي والإداري وكانت غايتها القضاء إداريا وعاطفيا على الإطار القبلي كنموذج تقليدي للتنظيم الاجتماعي وتعويضه بتنظيم  جديد يستجيب لمقتضيات الحداثة [22]. 

لكن مظاهر الاستمرار بقيت قائمة في المجال النفسي، ومن خلال التعامل اليومي بوجه خاص، ذلك أن الأفراد كثيرا ما ينتسبون في الريف إلى قبائلهم أكثر من انتسابهم إلى مناطقهم الإدارية، وقد أكد ذلك بن بشير حينما برهنت دراسته على أن الدوار بقي يمثل تجمعا اثنيا مرتبطا مباشرة بالقبيلة الأم، على الرغم من المزايا التي يمكن أن نلمسها من تحويل الدوار إلى جماعة قروية، وقد توصل في النهاية إلى أن هذا التطابق الذي استخدم لتقنين القبيلة أدى إلى السقوط فيما يراد اجتنابه، وهو مساهمة البنية الإدارية الترابية في تكريس التقسيم الاثني. لقد تحولت القبيلة في المغرب المعاصر من إطار بنيوي إلى إطار ثقافي، لكنها ظلت تمتلك قدرتها على الحركة والحضور والاستمرار كلما خضعت إلى موضوع المساومة.

كانت القبيلة تستخدم كاستراتيجية إيديولويجية لمواجهة الآخر الخارجي، أما اليوم فهي تنهض لتتبلور داخل حقل الصراع والتنافس، من أجل السلطة والتقرب منها، “إن تركيز النخبة المحلية على انتمائها إلى منطقة زمور، مع توظيف العلاقات القبلية والقرابية يتأجج خلال اللحظات الحاسمة في التنافس حول السلطة، حيث تكون الانتخابات الاطار الملائم لها” وليس من الصدفة أن يصل تجنيد الطاقة القبلية أوجه خلال الانتخابات للتركيز على العلاقات القبلية التي تربط المرشح بالمنطقة كأسلوب لإضعاف حظوظ المرشحين المنافسين الذين لا ينتمون إلى المنطقة أو الذين غادروها مبكرا أو انقطعوا عنها وكان ريزيت (Rezette) ثم واتربوري (waterbury) ولوفو (leveau) قد حللوا الارتباط بين العلاقات السياسية والمحددات القبلية الإثنية [23].

خامسا : البنية القبلية وصيرورة الاندماج:

يتضمن مفهوم الاندماج معاني التوحيد والانصهار، وهي تناقض معاني العزلة والتهميش والصراع والانقسام والتناقض، وسواء أكان الاندماج بما يعنيه من حضور الذات الفاعلة الداخلية وبما يعنيه من حضور الذات الفاعلة الخارجية، فإن المهم هو حضور دلالة الانسجام الداخلي وتجمع الأجزاء بعضها مع بعضها بما يمثل كتلة موحدة تقول عنها أنها مندمجة. ويمكن القول كذلك أن هذا المفهوم له صلة وطيدة بأحد البعدين التاليين: الحرية والسيادة. فهو يطرح، في علاقة بحرية الأفراد والجماعات، خصوصا إذا تحدثنا عن عمليات إدماج يقول فيها المدمج إلى أداة تسلط عليها القوة في الغالب ويأتيها الفعل من الخارج.

ويطرح مفهوم الاندماج أيضا في علاقة بالسيادة الوطنية، أي سيادة الدولة على المجتمع المحلي وعلى أرضه وممتلكاته سعيا إلى قطع احتمالات النفوذ والتمرد والانسلاخ. ومن جهة أخرى يتضمن الاندماج بالمعنى المستخدم هنا بعدين: بعد وطني وبعد محلي: الأول: شامل  ويضم الخصائص العامة للمجتمع المغربي بتكويناته المختلفة، وهو ما يكون الشخصية القاعدية لتلك المجموعة. والثاني: يتعلق بما نجده من خصائص عامة تميز جهة أو مجموعة معينة وتجعلها متميزة من نظيرتها من خلال الصفات الأخلاقية أو الثقافية أو الاجتماعية أو اللغوية.

وتلعب عملية التثاقف دورا أساسيا في تشكيل عملية الإدماج، وهي عملية ممتدة في الزمان والمكان، بحيث يصعب حصرها في حدود معينة. فالتثاقف القائم على عمليات تبادل التأثير يؤدي إلى توطيد الاتصال بين المجموعات وإضعاف عمليا التباعد والانقسام والاختلاف. كما أن النظم الاقتصادية الوافدة على المجتمع المحلي (علاقة العمل، علاقات التوزيع والتبادل) تساهم بشكل جزئي أو كلي في إنضاج عمليات الإدماج، أو تساهم في تحقيق الانسلاخ والانتقال من اندماج إلى اندماج آخر.

فالإدماج الاقتصادي يؤدي إلى إدماج ثقافي والادماج الثقافي يؤدي إلى تحول ثقافي لدى المجتمعات القبلية، يتجسد في إحلال القيم الجديدة وتلاشي القيم التقليدية، والعكس بالعكس. وكثيرا ما يلعب توحيد السوق، عبر ثلاثة عناصر أساسية للإنتاج وهي: الأرض والعمل ورأس المال، دورا أساسيا في تحقيق الاندماج الثقافي والاقتصادي لبعض القبائل المغربية في النظام الرأسمالي.

وقد نال مفهوم الاندماج (Intégration) نصيبا من التحليل لدى علماء الاجتماع والأنثروبولوجيين، كما ارتبط استخدامه بمجالات الحديث عن الثقافة. فحينما ينظر إلى الثقافة أو إلى المجتمع باعتباره كليات (Des totalités) يتم التعرض إلى عملية إدماج الأجزاء في الكليات. تتم هذه العملية عن طريق تقسيم العمل الآلي بما يسمح لعناصر مختلفة بالالتجاء إلى التطور الاجتماعي عن المنسجم (سبنسر، دوكايهم) أو بواسطة المشاركة في القيم الجماعية غير المتناقضة التي يتكفل بها النظام الثقافي [24].

(بارسونز Parsouns). ويربط بارك (Park) مشكلات الاندماج بموضوع الهجرة والمهاجرين.

ويؤدي النسق الثقافي المندمج إلى توفير وتوافق متبادل بين البنيات الثقافية المتصارعة أو المتبادلة، وهو ما يعرف بالوحدة أو الانسجام. وحينذاك يفضي الاندماج إلى وحدة الجماعة التي تقوم على أداء الأعضاء الأنشطة مترابطة ومتخصصة يعتمد على بعضها الآخر، وهو ما يطلق عليه التكامل الوظيفي (intégration fonctionnelle).

ويعد مفهوم الاندماج في كل علم من علم الاجتماع والأنثروبولوجيا مفهوما أساسا في عملية قياس درجات قوة أو ضعف العلاقة بين المجموعات الأقلية والنسيج الاجتماعي الواسع. وعلى الرغم من تعدد تعاريفه فإن موسوعة مناهج علم الاجتماع تمكنت من وضع تحديد دقيق بعد تجاوز التساؤلات المتعلقة بماهية الاندماج إلى طرح آخر أهم وأعمق، كالكيفية التي يمكن بها قياس الاندماج  والظروف المحيطة به زيادة أو نقصانا. إن فالنسبي، في استعمالها لهذا المفهوم في دراستها حول الأقليات [25].

فالاندماج يعني عملية تحول في الثقافات لدى الأفراد والجماعات، قبلية عائلية جهوية، تخترقها ولاءات شمولية (عربية إسلامية)، إلا ولاءات مدنية، قروية، جمعياتية، أسرية، يحددها إطار ثقافي (العروبة والإسلام) ويؤطرها ولاء سياسي هو الوطنية.

فالاندماج الاجتماعي يعني هنا اتحاد جماعات كانت منفصلة من قبل، أو كان ترابطها هشا، ويشبه هذا التكامل الاستيعاب يظهر بين جماعان تتميز بالمشاركة في الانتماء إلى الإطار الثقافي العام نفسه، ولكنها كانت معرضة إلى الانفصال أساسا، بسبب تعدد ولاءات أعضائها وتقطع حضور الدولة أو السلطة الممركزة.

فالاندماج بالمعنى السياسي هو عبارة عن خطة تستهدف بلورة الوجود الوطني والقضاء على ما يهدده من عوامل التفرقة والانقسام. وهو بالتالي عملية متعددة الوجوه تسعى إلى تدعيم الكيان الاجتماعي الشامل عن طريق برامج ومخططات تنموية تستهدف السكان. وهكذا فإن تحقيق الوحدة الوطنية يعني إلقاء الخصوصيات المحلية وإلقاء المسافات الاجتماعية والثقافية والنفسية [26].

على سبيل الختام :   

من خلال عرضنا هذا تبين أن القبيلة بالمغرب ما قبل الكولونيالية كانت لها خصوصيات اجتماعية تجعلها مجتمعا له ثقافة ومعايير خاصة ، باعتبارها نسق من التنظيم الاجتماعي يتضمن عدة جماعات محلية يتم النفود داخلها ، مند فترة الاستعمار ، على اعتبار أن  القبيلة بالمغرب وحدة اجتماعية يسود فيها نوع من التدين من خلال وجود قيم المساوات والعدالة بالمقارنة مع مجتمع المدينة ، فالقبيلة ضلت رهينة وجود زاوية ، بحيث أنها تعتمد على قواعد إسلامية كمعيار أساسي في حياتها ، بناء على أصولها التي تنتمي إلى شجرة النسب الذي يرجع إلى الخلفاء الراشدين ، فالقبيلة في أصلها تتميز بنوع من التضامن القبلي كوسيلة للدفاع ضد كل أشكال القهر المسلط ، ورمز للتماسك ووحدتها انطلاقا من خاصية الاندماج والحركية والاستقرار سواء بين الجماعات القبلية عن طريق عامل المثاقفة ما أعطى تنوعا اثنيا وثقافيا بين القبائل، الذي خلق داخلها نوع من تقسيم العمل الاجتماعي حسب درجة تطوير  النشاطات والوظائف التي تقوم بها ، وبالتالي فهذا ما أعطى تحولا ثقافيا للقبيلة وتطويرها من مرحلة إلى أخرى ، نتيجة اختلاف المحددات الإيكولوجية وتعدد أنماط الإنتاج وأشكال العلاقة مع الفضاء بالمغرب.  

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق