تقديم: في المفاهيم السياسية تأسيسا وتجديدا: رؤية مقاصدية(إدريس مقبول)
قبل حوالي عشرين سنة كان الأستاذ محمد سبيلا يتحدث في كتابه (للسياسة، بالسياسة، في التشريح السياسي) عن انزلاقات أو لنقل تحولات تقع في حقل السياسة، فتحدَّث عن “تحوُّل الدوغمائية الإيديولوجية إلى حربائية سياسية، وتحوُّل الصلابة المذهبية إلى رخاوة براغماتية” مشيرا إلى ارتخاء الأفكار وتلونها مع الزمن في احتكاكها بصلابة الواقع وإغراءات السلطة وبريقها، هذه الحقيقة لا تخطئها العين في تاريخ البشر، فسرعان ما تنكسر كما يقول عبد السلام ياسين موجات الثورة والإصلاح “على صخرة الطبيعة البشرية. فبعد ذهاب وجوه وأفكار ونمط عيش، يحتل الأرضَ والسلطانَ وجوهٌ أخرى لا تلبث أن تتلون بالبيئة الموروثة. وكأن هذه النفس البشرية حرباء لونُها لون ما تقع عليه”.
هناك دائما سؤال ظل يرافق ممارسة السياسة والتنظير لها، وهو علاقة السلوك الحربائي المتلون بجوهر السياسة، ذلك أن هناك فريقا من محترفي السياسة يرون أن السلوك المتقلب في حقل التدافع السياسي ليس سوى وجه من وجوه معالجة ظاهرة التصلب التي تواجه الفاعلين، أو ليس سوى ضرورة من ضرورات الفعل الذي لا يعيش مستريحا على أريكة النظر وسعة التنظير.
وكيفما كانت التبريرات منذ عصر أفلاطون مرورا بميكيافيلي إلى جوردان بيلفورت، فإن الحربائية تضرب بنعومة ومكر مبدأ الأخلاق في السياسة، على النحو الذي يهدم الكذبُ أيَّ بناء أخلاقي ويَنسِفه من أساسه. وبخاصة إذا كان الفاعلون ذوي خلفية دينية في الحقل السياسي. فإن الانزلاق للكذب والنفاق السياسي يضع مشروعهم كله على المحك في أشد اختبار يمكن أن تواجهه النظرية المثالية.
في هذا السياق أتى كتاب الباحث والحقوقي الدكتور أحمد بوعشرين “في المفاهيم السياسية تأسيسا وتجديدا: رؤية مقاصدية”، مساهمة جادة في تسليط الضوء على هذه الإشكالية التي رافقت التاريخ السياسي العالمي عموما والإسلامي على وجه الخصوص، فحينما تنفصل السياسة كما يقول الكاتب “وما يتعلق بها من مفاهيم عن البوصلة القيمية والمعرفية، تصير بمفاهيمها المتولدة عنها تؤسس للحربائية، وتتيه المبادئ ويضيع المعنى وتصبح السياسة حينئذ تابعة لواقع متلون ومتغير في نوازله ووقائعه ومستجداته”.

انطلق الباحث في كتابه إذن من البحث عن “المعنى” في “السياسة”، وهو ما جعله يباشر عددا من الأسئلة الجوهرية التي أفرزتها الممارسة السياسية الإسلامية: فهل ثمة فراغ مفاهيمي في المجال المرتبط بالسياسة على مستوى التراث الفقهي الناهل من مرجعية الإسلام ومحكماته ومقاصده الكلية؟ أم أن الإشكال في تعطيل إعمال العقل لاستخراج أنموذج مرجعي تتأطر من خلاله المفاهيم السياسية الأساسية؟.
لقد عرف “المعنى” تدهورا عبر القرون، أو كما وصف الجابري حين تحدث عن الشروط التي وضعها الفقهاء للقائم بأمر السلطة أو الحاكم، والتي عرفت تراجعا شيئا فشيئا إلى أن انتهت إلى “سلسلة من التنازلات تنتهي بالتنازل عنها جميعا”.
في هذا العمل المميز شكلا ومضمونا سعى الأستاذ أحمد بوعشرين إلى مساءلة المنظومة الأصولية والمقاصدية تحديدا واختبار قدرتها التأطيرية للعمل السياسي الإسلامي؟ فرجع إلى الغزالي وابن تيمية والجويني والآمدي والسبكي والعز بن عبد السلام وغيرهم من القدماء، كما رجع للقرضاوي والغنوشي ومحمد عمارة ورشيد رضا وغير هؤلاء كثير من المحدثين، وذلك من منطلق أن مساحة الأصول والمقاصد في النظر السياسي يمكن أن تشكل الخلفية الفلسفية المثالية ومرجعية احتكاكها الواقعي التي يرسو عليها العقل السياسي المسلم دون أن يغفل الانفتاح على المنجز السياسي الغربي.
لقد اختار الكاتب أحمد بوعشرين المعالجة الأصولية المقاصدية دون المعالجة الكلامية، متجاوزا في ذلك السقطة التي وقع فيها العقل السني والعقل الشيعي على حد سواء حين أدخلا معا موضوع الإمامة ضمن مباحث أصول الدين وأمور العقيدة في إطار الجدل التاريخي بين الفريقين.

في هذا الكتاب ينتهي الأستاذ أحمد بوعشرين إلى أن قضية إعمال الموازنات باعتبار الحال والمآل لا تعد إشكالا في حد ذاته، بقدر ما تجسد الاعتبارات الذاتية في كثير من الأحيان العقبة الأكثر خطورة، حيث تقدر المصالح والمفاسد بمعيار ذاتي مغلق، وحيث المصلحة والمفسدة تقاس بالذات أكثر من الموضوع، إنه في نظره “أخطر مرض فتاك بالذات وبالموضوع وحتى بمصداقية هذه الموازنات والاستفهامات التي يوظفها جهلة بالدين وبالواقع”.
فبقدر ما يوجه الباحث نظرنا إلى أهمية الأصول والمقاصد وفقه الواقع والموازنات، ينبهنا إلى خطورة التوظيف السيء والسلبي لهذه الأدوات من أجل تبرير الوقائع الانهزامية، والمواقف النكوصية، وإضفاء العقلانية والتعقل على “مدرسة التنازلات بلا حدود” والتقلبات المزاجية لكائنات انتهازية جعلت من أدوات الفقه ألاعيب للاستغفال والقفز على المبادئ وتبرير ما لا يُبَرر أخلاقيا وسياسيا معا.
يعالج الكتاب مسألة غاية في الحساسية، وهي الضرورات في العمل السياسي، وكيف يمكن للعقل السياسي الإسلامي حين يفصل بين اعتبار الحال واعتبار المآل أن يقع في حربائية مزمنة، ذلك أن الموازنات الترجيحية باعتبار الحال دون المآل تفضي إلى تأبيد الضرورة لكونها مناط الإجابة عن الحال في حالة الاضطرار وفق القواعد الشرعية لمبدأ الاضطرار، وبالنتيجة تؤدي إلى الدخول في مسلسل التبريرات الأفعوانية التي تجعل من هذه الضرورة مؤبدة بدون أفق لرفعها ورفع الضرر المفضي إليها. ومع القبول بالضرر ننتقل تدريجيا إلى التطبيع معه وتسويغ بقائه إلى الأبد.
يؤكد الكاتب في هذا العمل على أهمية فقه الواقع وفقه الشرع في حركة متوازية، فمن يفقه الشرع كما يقول دون أن “يفقه الواقع يسقطه ذلك في خصومة حدية مع الواقع فيصبح الواقع عدوه بصالحه وطالحه، وأما من يفقه الواقع دون الشرع يسقطه ذلك في خصومة حدية مع الشرع، فيصبح الشرع عدوه بمتشابه أحكامه وحكمه”.
كما اعتنى الباحث بمفهوم اعتبار المصلحة في السياسة الشرعية، وما يحيط بها من القواعد التي تحفظها من قبيل وجوب فصل التجارة عن الحكم والسلطة حتى لا يقع التصرف في المال العام من أجل المصالح الخاصة. ووجوب مراقبة تصرف الحاكم ومن معه في سلطة الحكم من ولاة ووزراء في الشأن والمال العامين حتى لا يكون تقدير المصلحة العامة من لدنهم أو من لدن بعضهم تقديرا ذاتيا خدمة للمصالح الذاتية ومصالح ذوي القربى..وعلى غرار قاعدة تصرف السلطة منوط بالمصلحة، قدم الباحث أمثلة عملية على قاعدة درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وقاعدة الضرر الأشد يدفع بالضرر الأخف، وقاعدة الضرر يزال، وقاعدة الضرورات تقدر بقدرها إلى غير ذلك من القواعد التي أحسن الباحث بمناقشة أمثلتها في واقعنا المعاصر.
كما استغل الباحث الفرصة لإعادة تفكيك وتركيب عدد من المفاهيم السياسية في محاولة لتجاوز فهم ما يقوله الخطاب السياسي إلى فهم كيف يقول، بغرض تحقيق وعي نقدي أوسع بعلاقة اللغة بالمجتمع والإيديولوجيا والسلطة، وذلك من منطلق نسبية العمل السياسي وعقلانيته في نفس الوقت دون إسقاط البعد الأخلاقي منه، من قبيل السياسة والإصلاح والحزب السياسي والمعارضة والتحالف والديمقراطية والمجتمع والدولة، وهي أسس الفكر السياسي، والتي لا تستقيم نظرية سياسية بدون تأسيسها وتحديدها.
في الختام يشكل هذا العمل في نظرنا خطوة نقدية شجاعة في مكاشفة العمل السياسي الإسلامي وتفكيكه في محاولة لتسديده وتصويبه وفق رؤية أصولية ومقاصدية تعيد التفكير في المنطلقات وتصحيحها بدل القفز عليها كما يجري في الواقع أو تسطيحها في أفق إعادة التوازن للعناصر المتفاعلة. إنه باختصار اهتمام بالنسق والوظيفة وبالعلاقة التي تلاشت بين الأطر الفكرية والقيم الأخلاقية للعمل السياسي.



