النشأة المزدوجة للدولة المغربية (محمد شقير)
يقوم هذا الطرح على مرجعيتين رئيسيتين : المرجعية الثنائية و الولادة المزدوجة للدولة المغربية :
أولا : المرجعية الثنائية للدولة
ينطلق هذا الطرح من أن الدولة المغربية هي دولة عريقة في القدم (3) . غير أن هذه الدولة تختزن مع ذلك ميراثا تاريخيا مزدوجـا يـتـكـون مـن تـراث سـيـاسـي إسـلامـي و تراث سياسي أوربي . و لعل ذلك هو السبب في غموض مفهوم الدولة في المغرب . ” فالدولة المغربية ، هذا المفهوم المتداول و المبـتـذل ، و الذي يبدو أنه لايطرح أي إشكال ظاهريا ، هو من من المفاهيم الأكثر استعمالا و في نفس الوقت الأكثر غموضا.
ويرجع سبب هذا الغموض لانتمائه لمرجعيتين متعارضتين :
– مرجعية ذات مضمون قانوني أوربي و بالتحديد من النوع البروسي- النابليوني .
– و مرجعية عربية – إسلامية . ” (4)
لذا يؤكد هذا الطرح على أن الدولة المغربية المعاصرة ” تفصح عن إرادتها في أنها الوريثة و ثمرة المنظومتين – السياسيتين : المنظومة العربية – الاسلامية و المنظومة الأوربية . “ (1) و هكذا فالدولة المغربية المعاصرة تحيل دائما إلى خلفيات ثقافية و مضامين سوسيولوجية و تاريخية جد مختلفة . (2)
ثانيا : الولادة المزدوجة للدولة
يشير هذا الطرح منذ البداية إلى أنه من الصعوبة بمكان تحديد نشأة الدولة بالمغرب بشكل دقيق مستشهدا في ذلك بعبارة لجورجيوديل فيشيو الذي يرى أنه مـن المستحيل تحديد تاريخ مضبوط لولادة الدولة. ويرجع جورجيو ذلك لعدة أسباب من أهمها عدم التوفر على معلومات دقيقة حول المراحل ماقبل تاريخية و ما بعد المرحلة التاريخية للحياة الانسانية و كذا أن الدولة لا تولد دفعة واحدة بل هي تتحقق بالتدريج . (3)
ورغم ذلك يؤكد هذا الطرح على ضرورة البحث في نشأة الدولة بالمغرب خصوصا في غياب محددات منهحية حول الموضوع(4) وهكذا يرى هذا الطرح أن الدولة المغربية نشأت عبر مرحلتين :
– المـرحـلـة الأولـى و تـتـحـدد في بداية القرن التاسع الميلادي مع ظهور الأدارسة ؛ حيث توفرت الدولة ،و ذلك بعد عدة قرون ، على بنية سياسية قوية .
– المرحـلـة الثانية ( أو النشأة الثانية) فقد كانت انطلاقتها في 30 مارس 1956 برجوع محمد الخامس إلى المغرب و الحصـول على الاستقلال . و في هذه المرحلة أعيدت هيكلة الدولة المغربية بحصولها على صلاحيات و وسائل الدولة الحديثة . (5)
و ما بـيـن هـاتـيـن الـمرحلتـين، يؤكد هذا الطرح بأن تطور الدولة المغربية لم يتخذ دائما مسارا منسجما و خطيا. و مـن ثمة فلا ينبغي أن نستحضر الدولة بمفهومها العصري في رصد الملامح الأولى لنشوء الدولة بالمغرب خصوصا في بلد متشرذم ذي تاريخ متقلب و بسكان قلما يخضعون للسلطة المركزية(1). لكن هذا لم يـمنع من كون المغرب قد شكل بنية سياسية كانت تتمتع بتوجهات مركزية ساعدت على تبلور سريع لشعور بالانتماء إلى إطار مشترك يتوفر على خصائص مشتركة (2) . وهكذا نشأت في بداية القرن التاسع الميلادي مملكة مغربية مستقلة عن الخلافة ببغداد التي عملت على محاولة توحيد البلاد . وقد تجلت مظاهر هذا التوحيد من خلال عدة مظاهر سياسية تتمثل في :
– سـك الـنـقـود
– القيام بحركات تأديبـية
– ذكر اسم السلطان في خطبة الجمعة
– تجنيد الجيش من القبائل(3)
و قـد شـكـلـت هـذه الـمـظـاهـر عناصر للـتـدليل على قدم وجود شعور وطني و التحام بين السكان و الدولة . غير أن هذا الالتحام لم يتشكل منذ الوهلة الأولى ؛ بل لقد واجه عدة أشكال للتمرد اتخذت في بعض الأحيان طابعا عنيفا ، الشيء الذي لم يمنع من ترسخ هذا الالتحام و استتبابه على أسس صلبة .
و للتدليل على أن الدولة المغربية لم تتبع مسار تطوريا منسجما ، يركز هذا الطرح على بعض خصائص الدولة بالمغرب ، و التي من أهمها :
– أنها كانت دولة متشرذمة تتوفر في أغلب الأحيان على عاصمتين
– أنها كانت تفشل في ضمان حماية البلاد من التهديدات الخارجية .
– أن الدولة ماقبل الاستعمار لم تكن تقوم بأي دور اقتصادي . (1)
و هكذا يخلص هذا الطرح إلى أن تطور الدولة في المغرب لم ينخد شكلا خطيا ؛ بل إن بنيان الدولة كان يترسخ بالتدريج عبر القرون . (2
و عـمـومـا ، فـإن مـن أهـم مزايا هـذا الـطـرح هـو مـحـاولـته للـربط بين بعض المراحل التي عرفها تطور الدولة بالمغرب . و من ثمة الدفع بأن الدولة المغربية المعاصرة لم تنشأ من فراغ ، بل إن تاريخ نشأتها يرجع إلى مراحل تاريخية سابقة ابـتـدأت عـلى الخصوص مع ظهور المملكة الادريسية . فالدولة المغربية هي من أقدم الدول عراقة و تتمتع بتوفرها على مرجعيتين سياسيتين و تاريخيتين ترتبطان بالمنظومة العربية الاسلامية و المنظومة الأوربية الغربية .
كما أنه من مزايا هذا الطرح أيضا تسليطه الضوء على التطور غير المتناسق للدولة المغربية ؛ التي لم تتشكل مـكـتـمـلـة طبقا لنمـوذج الـدولـة الـحـديث . بـل إنـها كـانـت تعرف فترات قوة و أوج و تارة أخرى تعاني من فترات ضعف و تـراجـع . و هـكـذا يـؤكـد هـذا الـطـرح عـلـى أن الـدولـة الـمـغـربـيـة قـد خـضـعـت ” لـتـطـور بـطـىء و متـقـلـب ، مع تـنـاوب فـتـرات الـظـهـور المـكـثـف للـدولـة و فـترات تراجع و ضعف . و بالتالي ، فـقـد بـرزت الـدولـة بشكل مكثف ما بين القرن 12م مع قيام الموحدين إلى القرن 15م مع السعديين و كذا في نهاية القرن 17 م أثناء حكم المولى إسماعيل .
و على عكس ذلك، عرفت الدولة المغربية فترات تراجع تمثلت على الخصوص في القرن 13م و في نهاية القرن 15م مع بداية توسعات الاحتلال الايبري، و كذا في بداية القرن 17م ؛ بالاضافة إلى القرن 19 م الذي شهد سقوط الدولة المغربية أمام الضربات الممنهجة للاحتلال الأوربي . ” (3)
لكن رغم كل هذه المزايا ، فيمكن أن نوجه لهذا الطرح الانتقادات التالية :
أ – الـتـناقـض الذي يـتـضـمـنـه هـذا الـطـرح ، و الـذي يـقـوم على أساس أن الدولة المغربية قد نشأت على مرحلتين : المرحلة الأولى كانت مع ظهور الأدراسة و الثانية في عهد الحماية.
في حين، أنه من المعروف تاريخيا، أن جميع الدول في مختلف بقاع العالم نشأت مرة واحدة لتتطور فيما بعد . لكن لم يثبت تاريخيا أن ولدت دولة ما ثم اخـتفت لتبعث من جديد . بالاضافة إلى أن الدفع بنشأة الدولة المغربية مرتين يقوض مـبـدأ رئيسيا من مبادىء تطور الدول و هي مبدأ الاستمرارية التاريخية . فكل دولة يمكن أن تتعرض للانشقاق أو التشرذم أو التقلص أو الاحتلال ، لكن لا يمكن أن تزول أبدا .
ب – أشار هذا الطرح إلى أن الدولـة المغربية قد ورثت مرجعيتين تاريخيتين : مرجعية عربية اسلامية
و مرجعية أوربية . لكن لـم يـحـدد هـذا الـطرح طبيعة الميكانيزمات التي حددت التعامل بين هاتين المرجعيتين و كيف تمت عملية التداخل بينهما و مدى تأثير ذلك على عملية نشأة الدولة بالمغرب ؟ .
ج – من الصعب جدا القبول بأن الدولة المغربية قد نشأت في البداية مع ظهور الأدراسة ، في الوقت الذي نـعـرف فـيـه تـاريـخـيـا بأن هـذه الامـارة كـانت تتزامن مع وجود إمارات أخرى كبني مدرار بسجلماسة و برغواطة بتامسنا و إمارة النكور . و كل هذه الامارات كانت من نفس حجم الامارة الادريسية ، بدليل أن هذه الأخيرة لم تستطع القضاء عليها و لم تنجح في توحيد المغرب . (1)
د – إغفال هذا الطرح لـحقبة تاريخية مهمة من تاريخ المغرب القديم ؛ و الذي شهد ظهور ممالك بربرية
و ملوك مثل باغا و بوكشيس و بطليموس .
و عموما، فإن إشكالية نـشـأة الـدولـة بـالـمـغرب تبقى مطروحة بشكل حاد ؛ بحيث أن كل باحث أراد الخوض في هذا المجال إلا و يصطدم بطروحات مختلفة و متناقضة . فكل أطروحة تحاول تحديد نشأة الدولة المغربية بفترة سياسية معينة غالبا ما تفتقد لمعايير عملية و اضحة.
ولعل هذا التضارب في الآراء يرجع بالأساس إلى العوامل التالية :
أولا : الصعوبة المنهجية في تحديد مفهوم متفق عليه للدولة المغربية ؛ فهناك من الباحثين من يستخدم هذا المفهوم بشكل أوسع حيث يقرن الدولة المغربية بالسلطة ؛ و هناك من يقرن ذلك بالظاهرة التي عرفتها أوربا ابتداء من القرن 15 م . (1)
ثانيا : عـدم تـجـانـس الأرضـيـة الـتـاريـخـيـة لـلـدولـة في المغرب نتيجة لاختلاف الكتابات التاريخية التي أرخت للتاريخ السـيـاسـي الـمـغـربي القديم ، و كذا للخلفيات الايديولوجية التي كانت تتستر ورائها الشيء الذي جعل الباحثين يرفضون كل ماورد في هذه الكتابات.
ثالثا : غياب كتابات حول تاريخ الدولة بالمغرب ؛ إذ أن أغلب الاخباريات القديمة أو حتى الكتابات التاريخية المعاصرة اهتمت فقط بالتأريخ للأسر الحاكمة أو بالتأريخ للمغرب في حين هناك غياب للتأريخ لنشأة الدولة المغربية و تطورها .
رابعا : غلبة الجانب الايديولوجي في تحديد الباحثين لنشأة الدولة بالمغرب ؛ فالكتابات التي ترجع نشأة الـدولة إلى ظهور الأدارسة مثلا غالبا ما تكرس الطرح الرسمي الذي يؤكد على أن الدولة المغربية تكونت مع إدريس الأكبر ؛ أمـا الكتابات التي تحاول ربط هذه النشأة بظهور المرابطين غالبا ما تكرس المقولات التي وردت في التقارير الايديولوجية لبعض الاحزاب السياسية .
و لتجاوز مختلف هذه العوائق و محاولة وضع تصور علمي لنشأة الدولة بالمغرب ؛ من الضروري الارتكاز إلى بعض المنطلقات في تحديد هذه الـنـشـأ ة .
ويمكن أن نحدد هذه المنطلقات في المسائل التالية :
– اعتبار نـشـأة الدولة المغربية سيرورة تاريخية و ليست مفهوما مجردا .
– ارتباط نشأة الدولة المغربية بتبلور سلطة سياسية منظمة .
– تحديد الوظيفة التاريخية للدولة المغربية .



