المقالات

المناطقة المغاربة في مصر:(خالد الرويهب)

يَرِدُ ذكرُ العالم البارز محمد مرتضى الزبيدي (ت 1791م) -في بعض الأحيان- جنبًا إلى جنب شاه وليّ الله الدهلوي (ت 1762م)، ومحمد الشوكاني (ت 1834م)، ومحمد بن عبد الوهاب (ت 1792م)، باعتباره ممثلًا لحركة إحياء إسلامية نبعت من التربة المحليَّة وسبقت غزو نابليون لمصر في عام 1798م. وُلِدَ الزبيدي في بلكرام بالهند، ودرس أساسًا في اليمن والحجاز، ثم استقرَّ به المقام في القاهرة، حيث وضع مؤلَّفيه الشهيرين: شرحه العظيم الحافل على “القاموس المحيط” للفيروزآبادي، وشرحه على كتاب الغزالي المهم “إحياء علوم الدين“1. ولم يُبدِ الزبيدي اهتمامًا -مثله في ذلك مثل غيره من علماء حركة الإحياء تلك في القرن الثامن عشر الذين يُصنَّف في زمرتهم- بعلم الكلام والمنطق وغيرهما من العلوم العقلية، وجعل همَّه في إحياء دراسة الحديث الشريف.

تكلَّم الزبيدي في المجلد الأول من شرحه على “إحياء علوم الدين” للغزالي على فروع العلم المختلفة، كما راجع مسألة الخلاف الذي طال أَمَدُه بشأن دراسة بعض العلوم ومنها المنطق2. وقد أورد الزبيدي أسماء علماء مسلمين رأوا أنَّ المنطق من العلوم المُحرَّمة، ومنهم الحافظ ابن الصلاح الشهرزوري (ت 1245م) وابن تيمية (ت 1328م) وجلال الدين السيوطي (ت 1505م)، وكذلك ذكر عددًا من كبار العلماء الذين رفضوا هذا الرأي، ورأوا أنَّ دراسة المنطق مشروعة، بل مندوبة، ومنهم الغزالي نفسه، والعالم والفقيه الشافعي الكبير تقي الدين السبكي (ت 1355م)، وكذلك العالم المغربي الحسن اليوسي الذي عاش في القرن السابع عشر (ت 1691م). وكان الزبيدي يميل في رأيه للمجموعة الأولى من العلماء؛ إذ رأى أنَّ المنطق علمٌ دنيويٌّ لا قيمة له في خدمة علوم الدين، وأنَّ من يتوفر على دراسته يبذلون جهدهم في أمور لا قيمة لها من الناحية الدينية، وهم بذلك يهملون أمورًا على جانبٍ أكبر من الأهمية. وفي سياق النقاش، أبدى الزبيدي ملاحظةً تاريخيةً تلفت الانتباه، فبعد أن اقتبس اقتباسًا مطولًا للعالم المغربي اليوسي يدافع فيه عن المنطق، قال إنَّ الدفاع عن المنطق سِمةُ علماء المغرب، حيث تُعظّم مصنفات المتكلم والمنطقي الكبير محمد بن يوسف السنوسي. فكتب يقول:

“وأتى من بعده (بعد السنوسي) من العلماء والفضلاء، فولع بطريقته مع صلاح المشار إليه وشهرته بالكرامات في ذلك القطر، وتلقاها خلف عن سلف، وخاضوا فيها حتى صاروا أئمَّة في ذلك يُشار إليهم بالبنان، ثم اختلط الأمر بعد ذلك، ونشأ بعدهم مَنْ تلقى عنهم ذلك، فظنَّ أنَّه لا كمال إلا فيما هو مشتغل به، فصار ما يشتغل به من المنطق وغيره كالغذاء له، فلا يسمع فيه عذل عاذل ولا لَوْم لائم، حتى نزعت عنهم رواية الحديث”3.

ويمضي الزبيدي في القول بأنَّ علماء المغرب نقلوا إلى العلماء المصريين وَلَعهم بهذا الفرع من فروع العلم في زمن “شيوخ مشايخنا”، أي منذ جيلَيْن سابقَيْن على جيله:

“منهم الذين وفدوا مصر لم يكن عندهم من الرواية إلَّا شي قليل، فبسبب ذلك راج أمرُهُ في مصر، وكبُّوا على تحصيله بعد أن لم يكونوا يشتغلون به إلَّا مذاكرة في بعض الأحيان تشحيذًا للأذهان، وهذا هو السبب في اضمحلال علم الحديث”4.

إنَّ ما استقرَّ في ظنِّ الزبيدي من أنَّ دراسة المنطق في مصر لقيت حافزًا لها من طرف العلماء الوافدين من المغرب قبل جيلَيْن من زمنه يؤيده الدليل المستمدُّ من سِيَر العلماء ومؤلفاتهم. وكان قد حلَّ بمصر بدايةً في عام 1753م وعمره يناهز الواحد والثلاثين عامًا، وصرف جهده في حضور حلقات الدرس التي يعقدها كبار العلماء المصريين في عصره، ويشير إليهم بأنَّهم “شيوخنا”. على أنه يجب التنبيه إلى أنَّ أهم الشيوخ الذين أسهموا في بنائه الفكري كانوا هؤلاء الذين تلقى العلم على أيديهم إبَّان إقامته باليمن والحجاز. وكان من بين هؤلاء المشايخ المصريين الكبار ثلاثة أشار إليهم الزبيدي في سياقٍ آخر “بالشُّهب الثلاث”، وهم: شهاب الدين أحمد بن عبد الفتاح الملوي (1677-1767م)، وشهاب الدين أحمد بن الحسن الجوهري (1684-1768م)، وشهاب الدين أحمد بن عبد المنعم الدمنهوري (1688-1778م)5. وقد خلف العلماء الثلاثة جميعهم وصفًا مفصلًا لما درسوه، وكلها تؤكِّد دراستهم للمنطق على أيدي العلماء المغاربة.

وربما كان أحمد الملوي (من ملوي بصعيد مصر) أهمَّ علماء المنطق في مصر العثمانية (1517-1882م)6. ومن مصنفاته في المنطق7:

1- رسالة في نسب الموجهات.

2- منظومة في الموجهات وشرحها.

3- منظومة في المختلطات وشرحها.

4- رسالة في أن كل الموجهات تنحصر إمَّا في الضرورة ونفيها وإمَّا في الدوام ونفيه.

5- منظومة لوازم الشرطيات وشرحها.

6- حاشية على شرح زكريا الأنصاري (ت 1519م) على “إيساغوجي” الأبهري في المنطق.

7- نَظْم لمختصر السنوسي في المنطق.

8- منظومة وشرحها في الاختلافات المنطقية بين القضية الخارجية (التي يوجد موضوعها في الخارج) والقضية الحقيقية (التي يوجد موضوعها في الذهن فقط).

9- الشرح الكبير على متن “السُّلَّم المرونق” لعبد الرحمن الأخضري (ت 1546م) في علم المنطق.

10- الشرح الصغير على متن “السُّلَّم“.

11- منظومة وشرحها في النسب المنطقية بين قضيتَيْن وبين قضية ونقيض الأخرى.

وقد ذكرنا في الفصول السابقة أنَّ المؤرخين المُحدَثين نزعوا إلى إهمال المنظومات الشعرية والشروح، مفترضين -في كثيرٍ من الأحيان- أنَّ هذه المصنفات التي تؤلَّف في هذا القالب ليست إلَّا صورة مبتذلة من الأصل أو محض متاجرة بالشروح. غير أنَّ بالإمكان إثبات أنَّ بعض مؤلفات الملوي في المنطق -على الأقل- تُعَدُّ إسهاماتٍ قيِّمةً في تراث المنطق العربي. فمن ذلك مثلًا أن كتابه في لوازم الشرطيات (رقم 5 في القائمة)، الذي فرغ منه عام 1696م، يُمكن أن يُعَدُّ أكثر معالجة متعمقة ونقدية لهذا المبحث باللغة العربية منذ القرن الرابع عشر الميلادي. ويكرِّر الملوي ذكرَ اعتماده منهج “التحقيق” واستلهامه “الفتح” فيما يثير من أسئلة جديدة وما يقترحه من أجوبة مبتكرة8.

وبغضِّ النظر عن محتوى هذه المصنفات، فإنَّ عددها الكبير يلفت الأنظار. كما ألَّف الملوي كتبًا في النحو والبلاغة وعلم الكلام، غير أنَّ الواضح أنَّ دراسة المنطق قد هيمنت على إنتاجه العلمي. وكان الملوي -مثله مثل معاصريه- قد تلقى العلم على أيدي عدد كبير من العلماء، ولكن الإشارة تتكرَّر في مؤلَّفاته إلى أن أهمَّهم هم العالمان المغربيان: عبد الله الكِنَكْسي، وأحمد الهشتوكي (ت 1716م)9. وكلا العالِمين تتلمذ على يد الحسن اليوسي، العالم المغربي الذي ذكره الزبيدي في معرض معارضته له بشأن مسألة دراسة المنطق10.

كذلك درس أحمد الجوهري على يد الكنكسي والهشتوكي، ولكن فيما يبدو كان محمد الصغير الورزازي (ت 1762م) أقربَ أساتذته إليه؛ إذ درس على يديه علم الكلام والمنطق11. وكان الورزازي (من ورزازات جنوبي المغرب) بدوره تلميذًا لأجلِّ تلامذة اليوسي، ابن يعقوب الولالي (ت 1716م)12. وقد ذكر عالمٌ مغربيٌّ لقي الجوهري في القاهرة أنَّ له عنايةً خاصةً بعلم الكلام، وأنَّه قد أتقن هذا العلم على يدي الورزازي وكان يفخر بذلك13. ويُصدِّق ذلك أنَّ أكثر مصنفات الجوهري العديدة هي بالفعل في علم الكلام، بما فيها عددٌ من الرسائل أُفردت للكلام على مسائل كلامية محدَّدة، وكذلك متن بعنوان: “منقذة العبيد من رِبقة التقليد“. وكما سيتضح في الفصل التالي، فإنَّ الخِطاب الذي يستهجن “التقليد” في العقائد صار سِمةً للتراث الأشعري في الشمال الإفريقي الذي حمل لواءه السنوسيُّ وشرَّاحه ومحشوه.

ولعل أحمد الدمنهوري هو أغزر “الشهب الثلاث” إنتاجًا وأوسعهم تفنُّنًا في العلوم المختلفة؛ إذ ضرب بسهمٍ وافرٍ في المنطق، والبلاغة، وعلم الوضع، وعلم الكلام، والتجويد، والفقه (وكان يفخر بتبحُّره في المذاهب الأربعة)، فضلًا عن علوم الطب، والفلك، وآداب الملوك، والحساب، والعلوم الباطنية14. وقد خلَّف الدمنهوري -على وجه الخصوص- معلوماتٍ مفصَّلة عن دراساته، ويتضح منها أنَّه تلقى علم المنطق على يدي الكنكسي. وفيما يبدو، فإنَّ الكنكسي هو أهمُّ شيوخ الدمنهوري. ويورد الدمنهوري قائمةً طويلةً من الأعمال المهمَّة في علم المنطق، وعلم الكلام، والبيان والبلاغة، والنحو، والرياضيات، وعلم الحديث، وتفسير القرآن، درسها كلَّها على يدي شيخه المغربي. وأخذ الدمنهوري عن شيخه الكنكسي كذلك الطريقة الشاذلية وتلقن عنه وِرد شيخه الصوفي عبد الله الشريف اليِملحي (ت 1678م)15. ويشير أحد أول مصنفات الدمنهوري -الذي ألَّفه في سِن الرابعة عشرة، وهو منظومة في علم الكلام- إلى إقراره بفضلِ الكنكسي16. وقد تقلَّد الدمنهوري منصب شيخ الأزهر عام 1768م، وظلَّ يشغله عشر سنواتٍ حتى وفاته.

والظاهر أن العلماء المصريين في القرنَيْن السابع عشر والثامن عشر لم يتبعوا العادة التي درج عليها معاصروهم من العلماء الأتراك العثمانيين؛ إذ لم يعدّوا سلاسل بأنسابهم العلمية17. ولكن لأنهم كانوا يشيرون بانتظامٍ إلى أسماء أكثر مَن انتفعوا بهم من شيوخهم، فإنَّ إعداد النَّسَب العلمي لـ”الشهب الثلاث” شيوخ الزبيدي أمر سهل ومباشر، ويظهر على النحو التالي:

المناطقة المغاربة 1

كذلك كانت الكتب التي درسها المصريون على أيدي المغاربة في القرن السابع عشر كتبًا مغربية. لعل أكثر ما شاعت دراسته منها كتابان:

1- منظومة “السُّلَّم المرونق” وشرحها لعبد الرحمن الأخضري، وقد سبق ذكرها، مع حاشية العالم الجزائري سعيد قدورة (ت 1656م)18.

2- “المختصر في المنطق” وشرحه لمحمد بن يوسف السنوسي الذي سبق ذكره، وهو متن أعلى في المستوى، مع حاشية حافلة للحسن اليوسي19.

كما يُعرف شيوع تدريس كتابين آخرين أطول وأعلى في المستوى، درَّسهما العلماء المغاربة الوافدون في مصر وغرب الجزيرة العربية، على أن الظاهر أن تدريسهما كان لعددٍ قليلٍ من الطلبة ممَّن يبدي اعتناءً أكبر بدراسة المنطق:

3- “الجُمَل” لأفضل الدين الخونجي (ت 1248م) بشروح لعلماء من شمال إفريقيا، منهم محمد شريف التلمساني (ت 1370م)، وسعيد العقباني (ت 1408م)، وابن مرزوق الحفيد (ت 1439م)20.

4- “المختصر” لابن عرفة التونسي (ت 1401م) بشرح السنوسي21.

ولذلك لا نعجب من تصوُّر الزبيدي للدور المهم الذي قام به العلماء المغاربة لنشر الاهتمام بالمنطق في مصر قبل عصره بجيلَيْن. فقد كان بعض أبرز العلماء المصريين في الجيل السابق لجيل الزبيدي قد تلقوا العلم على أيدي علماء مغاربة من خلال دراسة كتبٍ مغربية.

ونتساءل عن الأسباب التي دعت إلى المكانة التي حظي بها العلماء المغاربة في تدريسهم علم المنطق في القاهرة. ويشير الزبيدي نفسُه إلى أنَّهم رسخوا دراسة هذا التخصُّص على نحوٍ لم يسبق له مثيل في مصر، ولدينا من الأسباب ما يدعونا لقبول هذا التقدير. فلا شكَّ أن دراسة المنطق كانت معتادةً منتظمةً في مصر حتى قبل قدوم تلامذة اليوسي إليها، وتُعرف ثلاثة متونٍ درج الطلاب المصريون على دراستها خلال القرن السابع عشر:

1- “إيساغوجي” الأبهري -وهو مدخل مختصر في المنطق- بشرح العالم المصري الجليل القاضي زكريا الأنصاري (ت 1519م)22.

2- “الرسالة الشمسية” لنجم الدين الكاتبي (ت 1277م) بشرح قطب الدين الرازي (ت 1365م)، وهو متن أطول وأعلى في مستواه23.

3- “تهذيب المنطق” للعالم التيموري سعد الدين التفتازاني (ت 1390م)، ويشمل المتن تقريبًا مباحث “الرسالة الشمسية“. وعادة ما كان يُدرَّسُ في مصر بشرح عبيد الله الخبيصي، أحد علماء آسيا الوسطى (كان حيًّا 1540م)24.

والمتن الأول (إيساغوجي) مساوٍ في طوله ومستواه لمتن السلم للأخضري، والمتنان الثاني (الرسالة الشمسية) والثالث (تهذيب المنطق) مساويان في الطول والمستوى لمختصر السنوسي. ولكن لا يبدو أنَّه كان يُدرَّس في مصر متنٌ في المنطق قبل منتصف القرن السابع عشر يمكن مقارنتُه بالمراجع الأكثر شمولًا والأعلى في المستوى التي درَّسها العلماء المغاربة، ومنها “الجُمَل” للخونجي و”المختصر” لابن عرفة. أمَّا في تركيا العثمانية وإيران الصفوية والقاجارية، فقد أفاد الطلاب المتقدمون من مرجعٍ يوازي ما سبق من مراجع في سَعة مداه وعنايته بالتفاصيل، ألا وهو “مطالع الأنوار” لسراج الدين الأرموي (ت 1283م) بشرح قطب الدين الرازي25. وقد وصف العالم المصري حسن العطَّار (ت 1835م)، الذي كان له دورٌ مهمٌّ في تعريف الطلاب المصريين بمصنفات المشارقة في الحكمة والمنطق، هذا المرجعَ بكلماتٍ توحي بأنَّه لم يتوقَّع معرفة قرَّائه به26. وحين انشغل علماء المنطق المصريون بمناقشة الموقف الشرعي من دراسة المنطق كانوا يميّزون دومًا بين المنطق الذي اختلط بالفلسفة، والمنطق الذي لم يختلط به، فأجازوا الصنف الثاني من المنطق الذي لم يختلط بالفلسفة. وفي هذه المسائل، كانوا يعدّون -في كثير من الأحيان- قائمةً بكتب للمنطق الصرف الخالي من الفلسفة، ومنها “إيساغوجي” الأبهري، و”السُّلم” للأخضري، و”الرسالة الشمسية” للكاتبي، و”التهذيب” للتفتازاني، و”المختصر” لابن عرفة، و”المختصر” للسنوسي، ولكنهم لم يُضمّنوا قوائمهم “المطالع” للأرموي27. ولا يمكن أن يكون تركهم ذكر “المطالع” للأرموي لوصمِه باختلاطه بالفلسفة -فمحتواه يقارب في مداه إلى حدٍّ ما “الجمل” للخونجي و”المختصر” لابن عرفة- بل السبب الراجح أنه لم يكن معروفًا للطلبة المصريين28. ولذا يمكن إجمال الصورة فيما يلي:

المناطقة المغاربة 2

ويُفهَم من الجدول السابق سببُ ذيوع صيت مُدرِّسي المنطق المغاربة بين الطلبة المصريين، لا سيما إذا انتبهنا إلى أن علم المنطق كان له مكانة خاصَّة، بل هيمن على جانبٍ كبيرٍ من الحياة العلمية لهؤلاء العلماء، أمثال الحسين اليوسي وتلميذيه ابن يعقوب والهشتوكي. فكان واحدًا من أكثر كتابَيْن ذاعت دراستهما من كتب اليوسي هو حاشيته الحافلة على شرح السنوسي على مختصره في المنطق، وأحد أطول رسائله كانت في مبحثٍ منطقيٍّ دقيق، وهو الفرق بين “الفصل” و”الخاصَّة”29. وتتناقل المصادر أنَّ اليوسي ألَّف شرحًا لم يكتمل على منظومة في المنطق لمحمد العربي الفاسي (ت 1642م)، ورسالة مختصرة في “النسبة الحُكمية” بين الموضوع والمحمول30. أمَّا ابن يعقوب فقد ألَّف أربعة مصنفاتٍ كبرى في المنطق: شرح متن “السُّلَّم” للأخضري، وشرح على “المختصر” للسنوسي في المنطق للطلاب المتوسطين، وشرح على “الجمل” للخونجي للطلبة المتقدمين، وله كذلك نَظْم في المنطق وشرحه31. ومن الصعوبة بمكان أن نحدِّد عالمًا مصريًّا سَبَق الملوي وألَّف مصنفاتٍ متقدِّمةً في المنطق على هذا النحو الذي نجده عند العلماء المغاربة، أو أن يوصَف بأنه متخصِّص في المنطق. وخلاصة القول أنَّ بين أيدينا من الأسباب ما يدعو إلى الاعتقاد أنَّ علماء القرن السابع عشر المغاربة كانوا في حقيقة الأمر متعمِّقين في دراسة المنطق والتأليف فيه على مستوى عالٍ يفوق ما اعتاده العلماء المصريون في القرنَيْن السادس عشر ومطلع القرن السابع عشر.

ولم يقتصر العلماء المغاربة في مصر على تدريس المنطق بطبيعة الحال، فالكنكسي والورزازي كانا مُدرِّسين بارزين لمصنفات السنوسي في علم الكلام، وخصوصًا كتب العقيدة الثلاثة للسنوسي المعروفة بالصغرى والوسطى والكبرى32. وللسنوسي شروح على ثلاثتها، وكانت تُدَرَّس جميعها بانتظام في إفريقيا الإسلامية حتى العصر الحديث، وكتب عليها العلماء المغاربة المتأخرون العديد من الحواشي. وقد حظيت حواشي العالم المغربي عيسى السُّكتاني (ت 1652م) على شرح السنوسي على صغراه، وحاشية اليوسي الحافلة على شرح السنوسي على كبراه بمنزلة خاصَّة. ومن المعروف أنَّ الكنكسي والورزازي قد درَّسا هاتين الحاشيتَيْن لطلابهم المصريين33.

أضف إلى ذلك كلِّه أنَّ الكنكسي كان معروفًا بتدريس علوم البلاغة، والنحو، والحساب، والتصوف -خلافًا للمتوقَّع من تعليقات الزبيدي التي أوردناها في القسم السابق- وكذلك بعض دواوين الحديث الشريف وشروحها المعتمدة. فقد كانت الكتب التي درَّسها للدمنهوري مثلًا34:

  • في النحو “قطر الندى” و”شذور الذهب” لابن هشام (ت 1360م)، و”تسهيل الفوائد” لابن مالك (ت 1274م) وألفيته بشرح ابن هشام.
  • في المنطق “إيساغوجي” الأبهري (ت 1265م) بشرح زكريا الأنصاري (ت 1519)، وشرح “السُّلم” للأخضري (ت 1546م)، و”شرح المختصر” للسنوسي (ت 1490م) بحاشية اليوسي (ت 1691م).
  • في المعاني والبيان “تلخيص المفتاح” لجمال الدين القزويني (ت 1338م) بشرحَيْه “المختصر” و”المطول” للتفتازاني (ت 1390م)، وحاشيتي الجرجاني (ت 1413م) وحسن جلبي الفناري (ت 1481م) على الشرح المطول.
  • في العروض “الكافي” لأحمد القنائي (ت 1454م)، و”القصيدة الخزرجية” لضياء الدين الخزرجي (ت 1228م).
  • في الحساب “الرسالة السخاوية” لعبد القادر السخاوي (كان حيًّا 1591م)، و”كشف الأسرار” لعلي القلصادي (ت 1486م)، و”مُنيَة الحساب” لابن غازي (ت 1513م)، و”تلخيص أعمال الحساب” و”رفع الحجاب” لابن البناء (ت 1321م).
  • في المواريث فرائض “مختصر” خليل بن إسحاق (ت 1365م) بشرح القلصادي، و”المنظومة التلمسانية” لإبراهيم التلمساني (ت 1291م) بشرح القلصادي.
  • في مصطلح الحديث “ألفية المصطلح” لزين الدين العراقي (ت 1404م)، ومقدمة شهاب الدين القسطلاني (ت 1517م) لشرحه على “صحيح البخاري“.
  • في الحديث “صحيح البخاري” بشرح القسطلاني، و”صحيح مسلم“، و”الشمائل” للترمذي (ت 892م).
  • في أصول الفقه “جمع الجوامع” لتاج الدين السبكي (ت 1370م) بشرح جلال الدين المحلي (ت 1459م) وحاشية ابن أبي الشريف المقدسي (ت 1500م).
  • في علم الكلام “عقائد” السنوسي، وشرح السنوسي على “العقيدة الصغرى” بحاشية السكتاني (ت 1652م).
  • في التصوف “الحِكم” و”التنوير في إسقاط التدبير” لابن عطاء الله السكندري (ت 1309م)، و”الطبقات” لعبد الوهاب الشعراني (ت 1665م).
  • في تفسير القرآن تفسير البيضاوي (كان حيًّا 1284م).

ومما يلفت النظر غيابُ علمَي الوضع وآداب البحث من القائمة السابقة. ووفقًا لما أبدينا من ملاحظات في الفصول السابقة، فإنَّ الاهتمام بهذين العِلمين كان ضئيلًا في المغرب في تلك الآونة35.

كما يلفت النظر غيابُ مصنفات الدواني (ت 1502م) وعصام الدين الإسفراييني (ت 1537م)، وقد كان لمصنفاتهما أثرٌ كبيرٌ في دراسة العلوم العقلية في تركيا العثمانية في الوقت نفسِه الذي كان الدمنهوري يتلقى العلم فيه على يدي الكنكسي. وواقع الأمر أنَّنا إذا استثنينا كتب علوم البلاغة والحديث والعروض والتفسير، فإنَّ المراجع المذكورة في القائمة السابقة لم تكن موضعَ درسٍ بين الطلاب الأتراك العثمانيين في ذلك العصر. ويُعَدُّ ذلك أمرًا متوقعًا في بعض الحالات: فتركيا العثمانية يسود فيها المذهب الحنفي في الفقه، ومن ثَمَّ فالاختيار سيقع على متونٍ أخرى في الفقه وأصوله، كما كانت أقربَ إلى العقيدة الماتريدية منها إلى أشعرية السنوسي الجَلدة، وكذلك فإنَّ التصوف على الطريقة الشاذلية كان أقلَّ انتشارًا في البلدان الناطقة بالتركية مقارنةً بالشمال الإفريقي. وفي حالات أخرى، نجد صعوبةً في تفسير الاختلافات على أساس اختلاف مذهب أصول الفقه والمذهب العقدي؛ فكما نبَّهنا من قبل لم تُدرَّس المتون المغربية في المنطق على نطاقٍ واسعٍ خارج الشمال الإفريقي. ويلفت النظر أن يغيب عن تلك القائمة كتاب “الكافية” لابن الحاجب (ت 1248م) بشرح الجامي (ت 1492م)، الذي كان كتابًا معتمدًا في النحو في تركيا العثمانية والهند المغولية، وتشير بعض القرائن إلى أنَّ العلماء المغاربة لم يجدوا فيه الكفاية في هذا العلم مقارنةً بمتونهم التي ألَّفوها36. أمَّا في الحساب فالعلماء المغاربة ينتمون إلى مدرسة مختلفة عن تلك التي سادت في المشرق الإسلامي، وهو أمرٌ لاحظه بالفعل العالم المصري ابن الأكفاني (ت 1348م)37. والظاهر أن معظم المتون في علم الحساب التي درَّسها الكنكسي لم تكن معروفةً لصاحب “كشف الظنون” كاتب جلبي38.

كذلك يظهر أن اليوسي وتلاميذه كان لهم فضلٌ كبيرٌ في تزايد ملحوظ للاهتمام بالمقولات الأرسطية العشر في مصر في القرن الثامن عشر، وهي: (1) الجوهر، (2) الكم، (3) الكيف، (4) الإضافة، (5) الأين، (6) المتى، (7) الوضع، (8) المِلْك، (9) الفعل، (10) الانفعال. وكان الأرسطيون العرب المتقدمون في بغداد قد أوْلوا اهتمامًا كبيرًا بهذا المبحث، واتبعوا المدرسة اليونانية في الفلسفة في اعتبار المقولات الأرسطية قسمًا من كتب “الأورغانون” المنطقي لأرسطو39. ولكن ابن سينا (ت 1037م) رأى أنَّ المقولات لا تنتمي إلى المنطق، وقد كان لهذا الرأي صدًى واسع النطاق، ودعا علماء المنطق الذين خلفوا ابن سينا بعد القرن الثاني عشر الميلادي إلى الانصراف عن درسها40. ولكن هذا لا يعني أنَّ الاهتمام بالمقولات قد اندثر تمام الاندثار. فقد وردت مباحثُها في مصنفات علم الكلام، مثل: “طوالع الأنوار” للبيضاوي (كان حيًّا 1284م)، و”المواقف” للإيجي، و”المقاصد” للتفتازاني41. غير أنَّ معالجة المقولات في هذه المصنفات ظهرت منثورةً في الأقسام الأولى منها، التي يخصِّصها المؤلفون للمباحث التمهيدية الفلسفية. وقد عرض اليوسي للمقولات العشر بإيجازٍ في حاشيته على “المختصر” للسنوسي، وحاشيته على شرح السنوسي على كُبراه42. ولعل تلك المؤلفات شجَّعت عددًا من العلماء المصريين في القرن الثامن عشر على إفراد هذا المبحث بالتأليف. وفيما يبدو، فإنَّ أول المصنفات المصرية فيه هو “نيل السعادات في علم المقولات” لمحمد البُليدي (1683-1736م)؛ ولعل هذا الكتاب أولُ ما أُفرد بالتأليف بالعربية في المقولات خارج إيران منذ القرن الثاني عشر الميلادي. وينحدر البليدي من أسرة من الشمال الإفريقي من أصول أندلسية استقرَّت في مصر. وتُشتَقُّ النسبة في اسمه “البُلَيدي” -على الأرجح- من بلدة “بليدة” بالقرب من الجزائر العاصمة43، وبعض المصادر تضبطها بفتح الباء وكسر اللام “البَليدي”. تلقى البليدي العلم على أيدي علماء في القاهرة، منهم الجيلان الأول والثاني من تلامذة الحسن اليوسي، وهم: الكنكسي، والهشتوكي، والورزازي؛ ولكن ما وصلنا من معلوماتٍ عن سيرته لا يكشف عن أسماء العلماء الذين عدَّهم الأهمَّ في فترة طلبه العلم. غير أنَّ كتابه في المقولات يشهد بما يدين به لمدرسة المناطقة المتكلمين المغاربة. فبالإضافة إلى اقتباسه المتكرر من مصنفات السنوسي ومُحشّيه المغاربة من بعده، نرى في كتابه العديد من الفقرات التي تُعَدُّ من قبيل إعادة صياغة لكلام اليوسي في مصنفاته من دون عزو؛ وقد نبَّه على ذلك مُحشّيه المتأخر حسن العطار44. ويشهد أيضًا على الأثر المغربي في زرع هذا الاهتمام الجديد بالمقولات مخطوطةٌ مصريةٌ لحاشية اليوسي على “المختصر” للسنوسي في علم المنطق، نُسخت في عام 1724م. وقد أضاف الناسخ في صفحة العنوان ملاحظةً قصيرةً تُرشد القارئ إلى موضع مبحث المقولات في الكتاب، مما يدلُّ دلالة واضحة على أنَّ هذا القسم من حاشية اليوسي له أهمية خاصة عند القرَّاء (انظر الشكل 4-1).

وقد ألَّف تلميذان من تلامذة البليدي -هما خليل المغربي (ت 1763م) وأحمد السجاعي (ت 1783م)- مصنفين آخرين في المقولات. أما المغربي فله شرح مختصر على بيتَيْن لا يُعرَف مؤلفهما يلخصان المقولات العشر، فرغ منه عام 1739م45. أما السجاعي فكتابه شرح أطول -إلى حدٍّ ما- على منظومة قصيرة له في المقولات، فرغ منه عام 1768م46. وقد ذاعت دراسة عملَي البليدي والسجاعي على نطاقٍ واسعٍ خلال القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين. وطُبع كتاب السجاعي في القاهرة عام 1886م بحاشية حسن العطار47. ثم طُبع مع رسالة البليدي عام 1910م بحاشيتَي العطار عليهما48. والظاهر أن هذين الكتابَيْن في المقولات كانا الكتابَيْن الأساسيَّيْن في دراسة الحكمة (الفلسفة) في مصر في القرنَيْن التاسع عشر والعشرين. وتكرَّر إلحاق منظومة السجاعي بدون شرحه ضمن متون علم الحكمة في مجاميع المتون التي طُبعت في القاهرة في هذين القرنَيْن لاستخدام طلاب الأزهر49.

ولكتابَي البليدي والسجاعي نُسَخٌ خطيَّة في مكتبات سوريا، مما يشير إلى أنَّهما جذبا اهتمامًا تخطى حدود مصر50. غير أنَّه ليس ثَمَّ ما يشير إلى أنَّهما كانا موضعَ دراسة في الأنحاء الناطقة بالتركية أو الكردية في الدولة العثمانية. وفي المقابل، يبدو أنَّ “هداية الحكمة” للأبهري بشرح قاضي مير الميبذي (ت 1504م)، الذي كان المتن العمدة في “الحكمة” في المدارس التركية العثمانية، لم يكن ضمن المقررات المنتظمة في مصر51. فلا نجد حواشيَ مصريةً على هذا الكتاب (بالمقارنة بالعدد الكبير من الحواشي التي ألَّفها العلماء الأتراك العثمانيون الذين سلف ذكرهم في الفصل الأول)، كما لم تصدر طبعاتٌ في القاهرة لهذا الكتاب في القرن التاسع عشر أو مطلع القرن العشرين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق