العلماء في خطاب حزب العدالة والتنمية:(عبد الرحمن منظور الشعيري)
يتميز الخطاب السياسي لحزب العدالة والتنمية في مقاربته لموضوع موقع العلماء في الحقلين الديني والسياسي الوطني بثراء اقتراحاته، سواء في الوثائق الحزبية أو البرامج الانتخابية، وهو أمر يرجع إلى مركزية المرجعية الدينية لدى قياداته التي ينتمي معظمها لحركة التوحيد والإصلاح الدعوية، كما ينسجم ذلك مع قوة حضور المسألة الدينية في تطور مسار سلوكه السياسي وأداء فريقه البرلماني طيلة المرحلة السياسية المدروسة في هذا البحث (1999-2013) ومن خلال مبادراته السياسية المتعددة في سبيل الدفاع عن المرجعية الإسلامية للمجتمع والدولة وفق قراءة قانونية وسياسية تحرص على تعزيز مكانة مؤسسة إمارة المؤمنين ووظائفها الدينية والتحكيمية. وهنا نستحضر معارضة الحزب لمشروع “خطة إدماج المرأة في التنمية” سنة 2000، ودفاعه السياسي القوي بزعامة أمينه العام عبد الإله بن كيران على ضرورة حضور المرجعية الإسلامية للدولة بشكل واضح في المتن الدستوري، ورفضه كذلك للتنصيص على مبدأ “حرية المعتقد” في نص الوثيقة الدستورية لفاتح يوليوز 2011.[1]
فمنذ أول انتخابات تشريعية خاضها حزب العدالة والتنمية -بعد تولي الملك محمد السادس مقاليد الحكم-في شتنبر 2002 تضمن برنامجه الانتخابي حزمة من المقترحات فيما يخص تدبير الحقل الديني والنهوض بالمجال الثقافي، كانت تروم جعل مشاريعهما منسجمة مع القيم الثقافية والحضارية للشعب المغربي، مع انفتاحها المستوعب على الثقافات والمكتسبات الحضارية الإنسانية في جميع المجالات.[2] وفيما يتعلق بتفعيل مهام نخبة العلماء، اقترح الحزب حينئذ:
- تفعيل دور رابطة علماء المغرب والمجلس العلمي الأعلى وتمكينهما من الوسائل البشرية والمادية والمعنوية. وقد كان لهذا المقترح وقتئذ راهنية كبرى في ظل الشلل التام الذي كان يخيم على الفعل الديني والعلمي للمؤسستين، قبل تطوير عملهما ووسائل اشتغالهما ضمن برنامج إعادة هيكلة الحقل الديني منذ سنة 2004.
وفي مجال تكوين العلماء اقترح الحزب في نفس البرنامج: تطوير مناهج وبرامج كليات الشريعة وأصول الدين وشعب الدراسات الإسلامية ودار الحديث الحسنية، لتخريج أطر كفأة من العلماء قادرة على التأطير الديني والقيام بمهام الدعوة، وكذا إتمام هياكل جامعة القرويين بإضافة الكليات العلمية (العلوم والطب والهندسة) وتفعيل مقتضيات الإصلاح التربوي بها كباقي المؤسسات الجامعية الأخرى.
ولم يكتف حزب العدالة والتنمية في مقاربته لملف العلماء، في برنامجه الانتخابي لسنة 2002، بتقديم مقترحات وملتمسات تخص التفعيل التنظيمي لمؤسسة العلماء، وتطوير المناهج البيداغوجية في تكوينها، بل دعا صناع القرار الديني إلى السعي للإدماج النوعي للعلماء والوعاظ في عملية تخليق الحياة العامة ومحاربة كل أشكال الفساد والرشوة.[3] وهي رؤية تنسجم مع القناعات السياسية التقليدية للحزب المتبنية لخيار دعم إشراك علماء الدين في النقاش السياسي والعمومي، وبضرورة إسهامهم في تخليق الشأن العام.
وفي نفس المضمار، طرح حزب العدالة والتنمية رؤيته لموقع مؤسسة العلماء في الحقل الديني المغربي في ثنايا مشروع ورقته المذهبية بمؤتمره الخامس سنة 2004، وفق تصور يتأسس على ما يلي:
- إيمان الحزب بخضوع تدبير الشأن الديني لإشراف الملك/ أمير المؤمنين اعتبارا للصفة الدستورية للملك بوصفه حاميا حمى الملة والدين.
- تأكيده على أهمية مؤسسة إمارة المؤمنين ودورها التاريخي والراهن في المحافظة على الدين.
- تبنيه لخيار دعم وتقوية كل المؤسسات الفاعلة في الحقل الديني.[4]
وبناء على هذه التوجهات دعا الحزب إلى: “ضمان حرية العلماء في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في حدود الضوابط الشرعية المرعية، وضرورة تفعيل مؤسسات العلماء للقيام بدورها كاملا غير منقوص في توعية المواطنين، والتأكيد على أن إضعاف دور العلماء أو التضييق عليهم خطأ كبير ومظنة خطر على الأمن الروحي ومدعاة لظهور الغلو الديني واللاديني المهددان لقيم المجتمع وأمنه واستقراره”[5].
وتعبر هذه المقاربة الحزبية الداعمة للفعل الديني والثقافي للعلماء المغاربة عن رد فعل فكري وسياسي لإسلاميي المؤسسات على بعض التوجهات السياسية والثقافية والأمنية التي طالبت بعد أحداث 16 ماي 2003 بالدار البيضاء بتشديد رقابة الدولة على مواقف العلماء واجتهاداتهم الفكرية والفقهية والسياسية.
وقد انعكس تراكم الممارسة السياسية والبرلمانية لحزب العدالة والتنمية إيجابيا على تطور خطابه السياسي خاصة في شقه الانتخابي، وبالأخص في مقاربة موقع العلماء في المجتمع المغربي وبمؤسسات الدولة، وذلك في اتجاه المزيد من التدقيق الاقتراحي وبإدراك أعمق لمتطلبات الحياة الدينية للمغاربة، ففي برنامجه الانتخابي لسنة 2007 اقترح حزب العدالة والتنمية إجراءات متعددة فيما يخص النهوض بدور وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية وتطوير فعالية المؤسسات الدينية، اخترنا منها ما يعالج سبل تطوير مجهودات نخبة العلماء دعويا وفكريا، وتنظيما وتكوينا ومبادرة، مثل:
- تشجيع الاجتهاد والتجديد في قضايا الإسلام والعصر، ومواكبة التحديات المستجدة واعتماد نظام الجوائز الجهوية لأحسن البحوث في الدراسات الإسلامية.
- تعزيز عمل الهيئة العليا للإفتاء ودعمها بالأطر والموارد اللازمة.
- تطوير تجربة الخط الأخضر لطلب الفتوى.
- تأسيس قاعدة معلوماتية موحدة خاصة بالمفتين، تساعد على الاستشارة وتبادل الرأي بما يمكن العودة إليها.
- تأهيل المجالس العلمية المحلية لاستعمال الأنظمة الحديثة في التواصل والتـأطير والتفاعل مع المحيط.
- تقوية العلاقة بين المجالس العلمية ووحدات البحث والتكوين المتخصصة بالدراسات الإسلامية والاجتماعية في الجامعات.
- تأهيل العلماء المغاربة المشتغلين في مجال تأطير المغاربة بالخارج على خصوصيات المجتمعات الأخرى وقضايا التدين المرتبطة بها وحاجات الإفتاء الخاصة بها.
- إحياء الجامعة الصيفية للصحوة الإسلامية كمحطة للتداول في قضايا الإسلام والعصر.
- ترسيخ ثقافة الحوار بين التوجهات والآراء ومحاورة الفكر المتشدد، ورفع مستوى التأطير في الأحياء الهامشية والمؤسسات السجنية.
- إصلاح دار الحديث الحسنية وجامعة القرويين ضمن رؤية تعمل على استعادة وتقوية أدوارهما في تأهيل العلماء وتحفيز الاجتهاد وتكوين الأطر والتفاعل مع التحولات الوطنية والعالمية.[6]
وتبقى وظيفة هذه المقترحات الحزبية الملامسة لملف العلماء، المندرج ضمن أولويات المجال الديني المحفوظ للملك/أمير المؤمنين بمقتضى العرف التاريخي والإرث السياسي والسند الدستوري، مجرد إبراء لذمة الحزب السياسي أمام أعضائه والمتعاطفين معه، من خلال بسط توجهاته النظرية في هذا المجال الاجتماعي والروحي الشائك، وتقديم ملتمساته بشكل علني إلى المؤسسة الملكية.
كما تعمل وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية على الاستفادة من هذه المقترحات من خلال إدراجها وترتيبها ضمن أجندتها في تنظيم الحقل الديني، ونذكر في هذا الصدد استجابتها للمطالب الجمعوية والحزبية بخصوص الاهتمام بالتأطير الديني لمغاربة الخارج خاصة في أوربا، وهو ما تجلى بإعلان الملك محمد السادس عن تأسيس المجلس العلمي المغربي لأوربا في شتنبر من سنة 2008.
وفي خضم تقديم القوى الحزبية والمدنية لمقترحاتها الدستورية إلى اللجنة الملكية المكلفة بإعداد المراجعة الدستورية لفاتح يوليوز 2011، تقدم حزب العدالة والتنمية بمذكرة حول الإصلاح الدستوري في 29 مارس 2011، اقترح فيها وبشكل مقتضب ضمن التوجه الثاني المتطرق للحقل الديني ومؤسساته والمعنون بـ “ملكية ديمقراطية قائمة على إمارة المؤمنين”، دسترة المؤسسات التي يشرف عليها الملك بصفته أميرا للمؤمنين كالمجلس العلمي الأعلى، مع التنصيص الدستوري على استقلالية العلماء[7] .
لكن الحزب لم يوضح من خلال مطالبته بدسترة استقلالية العلماء رؤيته التفصيلية لتحقيق ذلك، خاصة وأنه في نفس المقترح يدافع عن خضوع مؤسستهم الرسمية العليا أي المجلس العلمي الأعلى للسلطة الدينية للملك أمير المؤمنين، اللهم إلا إذا كان الحزب يقصد بذلك تبنيه لمقاربة “خصوصية” متماهية مع التصور الديني الرسمي لمفهوم استقلالية العالم، الذي تجعل من هذا الأخير خاضعا عموديا لسلطة إمارة المؤمنين ونائبا عنها في تبليغ أحكام الدين، مع ضرورة استقلاليته أفقيا عن تأثير مختلف الفاعلين الدينيين والسياسيين. وهو الأمر الذي يصعب الامتثال له في الحقل الديني المغربي بشكل تام سواء من لدن العلماء الرسميين أو غير الرسميين.
كما اقترح حزب العدالة والتنمية في نفس المذكرة الدستورية تمثيل نخبة علماء الدين بممثل عن المجلس العلمي الأعلى في عضوية المجلس الأعلى للقضاء ضمن العضوية الممثلة لذوي النزاهة والكفاءة من خارج الجسم القضائي، بالإضافة إلى ممثلين عن المجلس الوطني كحقوق الإنسان وهيئات المحامين بالمغرب والمجلس الدستوري.[8]
انتقال الحزب في رؤيته السياسية للمسألة الدينية عموما ولملف موقع العلماء في المجتمع ودورهم في الإصلاح والتخليق، من المقاربة الدعوية الطموحة والمتوسلة بآليات وأدوات الحقل الديني “المثال” إلى أطروحة الاشتغال على قضايا المرجعية والهوية والقيم وفق أدوات الخطاب السياسي أي باعتبارها من قضايا الشأن العام، اقتضى منه التركيز على مقاربتها تشريعيا ورقابيا ومحاولة ترجمتها إلى إجراءات عملية واقعية في إطار برامج سياسية تطرح للتداول ضمن المؤسسات المنتخبة ذات الصلاحية”[9] مما جعل الخطاب السياسي للحزب أكثر توازنا وإدراكا لحجم الإكراهات الدستورية والسياسية المختلفة،وللإشكالات المتداخلة في تحديد تعاطيه مع قضايا المرجعية الإسلامية والمؤسسات الدينية الرسمية في النسق السياسي، وهو ما تجلى بوضوح في ثنايا البرنامج الحكومي المقدم من قبل رئيس الحكومة السابق عبد الإله بن كيران في يناير من سنة 2012 أمام البرلمان والذي ورد فيه ضمن المحور الأول المتعلق بتعزيز الهوية الوطنية وصيانة تلاحم وتنوع مكوناتها والانفتاح على الثقافات والحضارات، والتشبث بالمرجعية الدينية للمملكة وتعزيز المواطنة المسؤولة من خلال تبني سياسة إمارة المؤمنين الداعمة”… للخطاب الديني المعتدل والاستمرار في دعم دور المساجد والأوقاف ومؤسسات التعليم العتيق، ومضاعفة الاهتمام بوضعية العاملين في الحقل الديني بما يناسب مكانتهم في المجتمع ويمكنهم من أداء مهامهم الدينية والتربوية، علما بأن أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس حفظه الله، هو الراعي لشؤونهم والكافل لقضاياهم والضامن لحقوقهم وملاذهم في ما يهمهم ماديا ومعنويا. والإستمرار في تعزيز مؤسسة العلماء ودعم دورها تكوينا وإدماجا وإشراكا باعتبارها المؤسسة العاملة في مجال الدعوة والإرشاد والإصلاح في المجتمع”.[10]
وبخلاصة، نستشف بأن الاهتمام بملف العلماء والرهان على دورهم الدعوي والتربوي في المجتمع وعلى تأثيرهم الايجابي في تخليق الحياة العامة، كان دائما من المقومات البارزة في الخطاب السياسي لحزب العدالة والتنمية، لكن نظرا لخضوعه للمجال المحفوظ والمغلق لمؤسسة إمارة المؤمنين، بقي الحزب بالرغم من ترؤسهل للحكومة (2011-2015) في منأى عن تنزيل وتفعيل مقترحاته الحزبية والانتخابية في مجال تعزيز مكانة العلماء والسمو بها في بنى المجتمع والدولة.
[1] – Rifai Mohcine, la Préeminence des Références identitaires et religieuse dans la Nouvelle constitution du Maroc : Le rôle du PJD ? Revue, anfas hokokia, n° :4 juillet 2012 pp :22-23
[2] – البرنامج الانتخابي لحزب العدالة والتنمية للانتخابات 2002 – نحو مغرب أفضل – مطبعة بالمريس – الرباط سنة 2002 ص 6.
[3] – انظر هاته المقترحات ضمن محور الأصالة في البرنامج الانتخابي لحزب العدالة والتنمية لسنة 2002. نفس المرجع ص ص 8- 11.
[4] – مشروع الورقة المذهبية لحزب العدالة والتنمية، المؤتمر الوطني الخامس المنعقد بالرباط يومي 10 و11 أبريل 2004 بشعار “الديمقراطية … إلتزام ومسؤولية” ص 14.
[5] – مشروع الورقة المذهبية لحزب العدالة والتنمية نفس المرجع ص 15.
[6] – البرنامج الانتخابي لحزب العدالة والتنمية “جميعا نبني مغرب العدالة” للانتخابات التشريعية العامة 7 شتنبر 2007. مطبعة إمارسي ص ص 57 – 58.
[7] – حزب العدالة والتنمية، الأمانة العامة، مذكرة حول الإصلاح الدستوري 2011 ص 6.
[8] – مذكرة حزب العدالة والتنمية حول الإصلاح الدستوري 2011 نفس المرجع ص 11.
[9] – أطروحة المؤتمر الوطني السادس لحزب العدالة والتنمية “النضال الديمقراطي، مدخلنا إلى الإصلاح” المصادق عليها بتاريخ 19 – 20 يوليوز 2008. الطبعة الأولى. طوب بريس مارس 2009 ص 27.
[10] – وثيقة البرنامج الحكومي، يناير 2012 ص 13.



