المقالات

هل نستطيع الاندماج في عالم بدون أحقاد؟(عزالعرب لحكيم بناني)

أعني في البداية بالأحقاد كلَّ الآثارِ النفسية السلبيّة التي تظلُّ قائمةً في الوجدان نتيجةَ صدمات التعذيب والاعتقال والاستعمار والاحتلال. قد يقبل من تعرّض لهذه الصدمات طيَّ الصفحة، مثل أن يتقبل المصالحة و الصفح والنظر إلى المستقبل، لكنّه قد لا ينسى ما حدث؛ بل يظلُّ مدّة طويلة في وضع ما- بعد الصّدمة، كما يقول خبراء الطبّ النّفسي. وقد لا ينسى ما حدث حتّى ولو حظي بإعادة الاعتبار أو تلقى تعويضا مجزيًا، ما دام الضحية يحتفظ في جسده بندوبٍ عميقةٍ تذكِّرُه بما مضى ويحتفظ بجروح في ذاكرته الشخصيّة والجماعية، دون أن ننسى آثار الوصم الاجتماعي. تظهر صعوبة تجاوز الماضي بصورة طبيعيّة ومعقولة في وجدان ضحايا المحاكمات غير العادلة وضحايا الاستعمار. نحتاج إلى مجهود كبير من أجل إعادة إدماج هؤلاء الضحايا في المجتمع ونزع آثار الأحقاد والضغائن التي تسرّبت إلى النفوس. وهذا برنامج عمل ميداني طويل المدى يروم تضميد الجروح وإزالة الندوب. غير أنَّ الأحقاد والضغائن قد تكون كذلك نتيجة الجروح والندوب في أجساد ونفوس ضحايا الاستعمار الأجنبي. لا شكَّ في أنَّ أغلب ضحايا الاستعمار قد قضوا نحبهم أو ينتظرون ولا شكَّ في أنَّ أبناء الضحايا قد ورثوا تلك الجروح والنّدوب في وجدانهم وذاكرتهم التاريخيّة. لا أدري إلى أيِّ حدٍّ يرث فيه الأبناءُ جراحَ الآباء، وإلى أيِّ حدٍّ يفضّلون فيه نسيان الماضي والانفتاح على المستقبل، بدل تقليب جراح الماضي. ولكنَّ الشيء المؤكَّدَ أنَّ جراح الماضي لا تزول بالنسيان amnésie. لا يجوز أن يتحول النسيان وحده إلى طريق الصفح والعفو والمصالحة مع الماضي amnistie. في هذا الصدد، من يحارب النّسيان، بعد أن ظهرت أجيال لا تبالي بهذا الماضي؟ أظن أن السياسي يقوم بذلك، ولكنني لا أظنُّ أنَّ محاربة النسيان وقف على السياسي فقط؟ أظنُّ أنَّ دور المؤرِّخِ بدوره هو حفظ الذّاكرة والعودة إلى هذا الماضي، حتى ولو كان مؤلما، لاسيّما إذا ما كانت الصدمة التاريخية مستمرة نتيجة المعاناة من الحماية والاستعمار والاحتلال. غير أنَّ دور المؤرِّخِ يختلف عن دور السّياسي. نحن نعلم جيّدًا أنَّ السّياسة لا تعرف الأخلاق وأنّها تحاول تغيير موازين القوى لصالحها بكلِّ الأسلحة الممكنة؛ يستعمل اليمين الفرنسي غريزة “الخوف” من أجل تغيير البنية السكانية الفرنسية ونشر “الحقد” وتأليب الفرنسيّين على المهاجرين لأهداف انتخابيّة خالصة؛ أي أنّه يستغل كرامة البشر لأهداف زائلةٍ. ولا يتورّع السياسي عن استثمار جراح المقاومين وندوبهم لتغيير موازين القوى لصالح مصالح بلاده العليا، وهذا ما يتفق عليه أغلب رجال السّياسة. غير أنّنا نجد إطارًا أخلاقيًّا يقيّدُ عمل السياسي ويوجّهه نحو الوجهة السليمة، حينما يتيحُ المؤرّخ مواجهة الماضي دون أن يعود بنا إلى الماضي من جديد، نحن أبناء الحاضر والمستقبل، ودون أن يفتح جروح الضحايا من جديد سواء في حياتهم ومن داخل المقابر. فقد يفتح السياسي جراح الماضي دون أن يستطيع تضميدها من جديد، لأنه لم يكن يوما ما طبيب القلوب ولا طبيب العقول. ولذلك يحتاج السياسي في مرحلة ثانية إلى الطبيب المعالج الذي يضمد الجراح ويحاول إيجاد مخرج مُشرِّف ولائق بتاريخ المقاومة، بعد أن دفعت ثمنا باهظا قد لا يدرك السياسيّون أنفسُهُم مدى هوله.أعتقد أنَّ المسؤولية تقع على الباحثين من أجل إيجاد طرق معيارية أخرى غير سياسية من أجل المصالحة مع الماضي، وتقع هذه المسؤولية على المؤرّخ- الفيلسوف (كما أنجز عبد الله العروي جانبا من ذلك باقتدار). يحاول المؤرّخُ والمؤرّخة اليوم الاستفادة من دراسات ما بعد الاستعمار وإعادة كتابة التّاريخ من زاوية قيم الأخلاق وحقوق الإنسان، وهذا ما فعله ريكور بدوره في كتابه عن الذاكرة والتاريخ والنسيان. إذا ما رجعنا إلى الفكر الأنجلوساكسوني سنجد فيه كتابات فلسفية وتاريخية لا نهاية لها عن مسؤولية ألمانيا الأخلاقيّة عن جرائم النازية ومسؤولية كندا وأستراليا وأمريكا عن التطهير العرقي في حق السكان الأصليين ومسؤولية الإمبريالية عن جرائم الاستعمار والاحتلال. لا نريد أن يتحول التاريخ إلى تاريخ الأحقاد والضغائن، بل إلى حوار متبادل يبادرُ المؤرّخون إليه وينفتح على كل القوى التي تساهم في المصالحة من أجل مستقبل دون أحقاد.

١٢٩Said Gafaiti، Mountassir Hamada و١٢٧ شخصًا آخر٦ تعليقات١٨ مشاركةأعجبنيتعليقمشاركة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق