المقالات

كورونا: رؤية فلسفية أخلاقية (منتهى طه الحراحشة_يونس بن علال)_3_

معنى المشهد الاتصالي في زمن التباعد الاجتماعي

من بين الشروط الموجبة للتماسك الاجتماعي في هذه الظروف الوبائية، نجد التواصل في أبعد تجلياته المفاهيمية، وما يقوم به من  نقل للأفكار وتقريب للمصالح، تفاديا للاختلاط الذي بات يهدد حياة الأفراد والجماعات، إذ سنتطرق هنا للتواصل التكنولوجي أو ما أصبح يعرف بالتواصل عن بعد، من خلال الشاشات الرقمية للحواسب والهواتف الذكية، ودورها في خلق فضاءات افتراضية جديدة تنوب عن الأشغال الحضورية في مختلف المرافق العمومية والخصوصية، شيء يدفعنا للتساؤل عن المعنى البديل الذي أصبح يمثله التواصل عن بعد في ظل أزمة كوفيد 19؟ وإلى أي حد حاول الحفاظ على المصالح الإنسانية بل وعلى حياة الأفراد أنفسهم؟ وكيف يمكن تصور الظروف النفسية للمواطنين في الحجر الصحي بدون وسائل التواصل الافتراضي؟  وإلى أي حد يعد الفعل الاتصالي وسيلة تضامية وتوعوية وحقوقية في إحقاق شرط القرب الاجتماعي الرقمي؟

كلها أسئلة تعبر عن التداخل المعرفي في فهم معنى المعنى، أي معنى المشهد الاتصالي في تحقيق المعنى الإنساني، هذا ما دفع لفظ كرونا إلى خلق خصوبة فكرية من خلال معاني خطاب الفعل التواصلي باعتباره استثمار إنساني يتجاوز الطابع المادي إلى الجوهر الأخلاقي الذي يهدف إلى الحفاظ على الحياة الاجتماعية في ظروف سليمة وخالية من المؤثرات الوبائية، عن طريق تخطي الطابع التقليدي الذي يتطلب الحضور المباشر، وهنا يراودنا سؤال جديد، مفاده: هل يمكن للتواصل عن بعد القيام بجميع متطلبات العمل الحضوري؟ أمر يدفعنا إلى التطرق لسياق لغة الخطاب التواصلي، لأنها أشد أثرا في استمالة النفوس والتأثير عليها، ولعل هذا ما عبر عنه هبرماس بقوله:” اللغة هي الوسيط الذي يحقق التفاهم، بقدر ما هي الوسيط الأساسي للتواصل بين الذوات، باعتبارها نسقا من القواعد المساعدة في إنتاج المعنى”[1].

هذا معناه أن الأنساق والقواعد المساعدة في إنتاج معنى اللغة، تستند على وسائط سمعية وبصرية في نقل الوقائع، إذ ليس بوقت بعيد عنا، النظر إلى العوالم الافتراضية نظرة دونية، لما تحمله من معاني السراب والوهم الاجتماعي، لأن الافتراض لا يمس الواقع بشيء، ولعل هذا المعنى يلامس مفهوم كرونا من حيث الطابع الشكلي لوباء نسمع عنه ولا نراه، إذ أن رؤيته نلمسها في أعداد الأرواح التي يحصدها كل يوم عبر العالم، صحيح أن هناك بعدا افتراضيا في هذا العالم التواصلي، لكنه في هذه الظروف الاستثنائية أصبح واقعا موضوعيا في إعادة بناء الوعي والعلاقات والسلوك بين الأفراد، بل الأكثر من ذلك، أصبح العالم الافتراضي جسر المعارف في تحقيق طابع التعلم عن بعد، في المدارس والجامعات، وفي الندوات والمؤتمرات الدولية التي أصبحت تقام افتراضيا، دون إغفال الدور الأساس لوسائل الإعلام الإلكترونية في  توعية المواطنين من خطورة هذا الداء صحيا عبر البرامج والوصلات الإشهارية؛ شيء جعل الحاضر يتقدم بسرعة نحو المستقبل عبر انتشار كم هائل من الدراسات والبحوث السوسيولوجية والفلسفية والنفسية والثقافية التي تسائل تأثير كرونا على نفسية الإنسان ونمط عيشه.

 إن هذا المشهد الوبائي التراجيدي والدرامي في الوقت نفسه، أضيف إلى الملاحم التاريخية كحرب عالمية جديدة حاول الإنسان محاربتها من وراء درع الشاشات التكنولوجية باعتبارها الملاذ الآمن للتحصين من وباء كرونا، وتحقيق الأمن النفسي والروحي للمواطنين، بتوحيد الفوارق الاجتماعية ضمن منظومة رقمية واحدة تستدعي فلسفة الأخلاق من خلال التوجيه والتأطير الذي يخص كيفية التعامل مع هذا الوباء بالمكوث في المنازل والتواصل عن بعد، هذا علاوة على توظيف بعض التطبيقات التكنولوجية لرصد المصابين بالمرض، عبر المراقبة بالأشعة الحرارية وضبط التنقلات العشوائية بين الحواجز المرورية، لتصبح المقاربة التكنولوجية عنصرا فعالا لتأطير الدراسات الاجتماعية، وخلق رؤية موسعة لرصد تطورات تفشي الوباء عالميا، ” لأن فلسفة التكنولوجيا في جوهرها، مجموعة من المداخل الابستمولوجية والسوسيولوجية والسيكولوجية وعلم الهندسة  في علاقتها بالوجود الإنساني”[2]، وفي هذا الصدد توصل بيتر بول فيربك(Peter , Paul Verbeek)، في كتابه: ” ماذا تفعل الأشياء”، أن التكنولوجيا والعلم من أرفع قيم الأخلاق الإنسانية التي منحت الوجود طابعا هندسيا متماسكا في التعبير عن إرادة الإنسان وطموحه”[3]، ولعل هذا يعزى في وضوح الخطاب بين جميع الفئات إعلاميا، لأن موضوع كوفيد 19 قضية مشتركة عالميا، وبالتالي تلعب وسائل الإعلام دورا في خلق المنافسة البناءة في التعبير عن بروتوكولات البلدان والتسابق نحو إنقاذ الإنسانية، إذ لا يمكن أن تتضح هذه الصورة إلى من خلال الآليات الإمبريقية أو التجريبية في إنشاء المختبرات البيولوجية في ضوء رؤية تكنولوجية تستهدف تقليص الوباء قدر الإمكان في زمن التباعد الاجتماعي.

شكل المشهد الاتصالي بعدا استراتيجيا في مواجهة أزمة كوفيد-19، من خلال تفعيل إجراءات التعليم عن بعد، ودورها في ملء الفراغ الذي كانت تعاني منه المدارس والجامعات خلال فترة الأولى من الحجر الصحي، ليكون لهذا التباعد معنى إيجابي أسهم في ضخ عجلة الحياة لقطاع التربية والتعايم، عبر إنشاء أقسام افتراضية ومنصات تدريسية وازت بين جميع الفئات الاجتماعية، بعيدا عن مفهوم الإقصاء الذي كان مستشريا قبل الوباء في المدارس الخصوصية، وإن كان هناك خلل فيها يخص الفئات الهشة التي لا تتوفر على الحواسب في القطاع العام، أو على ثمن فاتورة الإنترنيت، لكن هذا لا يعني أن التعليم عن بعد لا يمتلك آلية تواصلية، وإنما هو قادر على توفير نسبة كبيرة من التعلمات التي من شأنها الحفاظ على نسبة مهمة من المعارف المتبادلة، في زمن علقت فيه تواريخ العودة إلى المدارس من أجل الدراسة، كما أبان المشهد الاتصالي أهمية الأستاذ ودوره في تربية الأجيال، وإن كان التعليم عن بعد لا يضاهي التعليم الحضوري من حيث فضاء التعلمات وحضور الأستاذ مباشرة مع التلاميذ عبر ما يعرف بالتعلمات المندمجة التي يُختَبر فيها التلميذ من طرف الأستاذ، ذلك أن الإحصائيات الواردة عن منظمة الأمم المتحدة للعلوم والثقافة (اليونسكو)؛ ” تقول إن عدد الطلاب الذين اضطرتهم “كورونا” إلى الانقطاع عن المدارس مليار و344 مليون، و914 ألف طالب وطالبة في 138 دولة حول العالم بنسبة 82.2٪ من الطلاب المقيدين في مدارس، منهم نحو 83 مليون طالب مدرسي في الدول العربية”[4]. ليكون الحل هو الآلية الاتصالية ودورها في مد جسور العلم والتعلم، وفي خلق فضاءات متوازنة تساير تطلعات منظومة التعليم التي اكتسبت استراتيجية جديدة لجعل التعليم ممتدا خارج جدران الفصل عبر الوسائط التكنولوجية.

فلسفة كرونا بين سؤال هدم المادة وجواب بناء الأخلاق

إن المتأمل في الوضع الراهن الذي أضحى عليه العالم، يدرك ضآلة الأشياء التي كانت تعد سابقا، مفخرة العلم والتكنولوجيا الحديثة، وكأننا نلمس اليوم، تفكك المادة أما فيروس أذاب قوة صلابتها، وغير ملامح نضارتها من خلال تعطيل المصالح العامة والخاصة، وما لذلك من انعكاس على الموارد الاقتصادية والبشرية التي لم تستطع الوقوف في وجه كرونا، إلا بشرط بناء الأخلاق لأنها الأساس في إعادة وضع لبنات المجتمع بشتى مجالاته الاقتصادية وموارده البشرية، ويكفينا ما أصبحنا نعاينه من تشنجات في مقياس معدلات نمو الاقتصاد العالمي الناتج عن هذا التوقف المفاجئ، وما خلقه من رتابة في سير المرفق العام والخاص، ليحل محله شرط التدابير الاحترازية لمحاصرة الوباء حتى لا يتغلغل أكثر في الموارد الحيوية، ومنها المورد البشري الذي به تُدار جميع هذه المرافق، وهذا ما وقع في العديد من البلدان العربية والأجنبية، جراء إغلاق المصانع وانعكاس ذلك اقتصاديا على استثمارات الدولة في علاقاتها الخارجية، ومعيشيا في علاقتها بالدخل الفردي للمواطنين، إذ سنحاول من خلال هذا الطرح الإشارة إلى شيء أساس مفاده، أن المادة نتاج الأخلاق، وأن ضعف التأطير في التعامل مع طبيعة الوباء، يرجع بالدرجة الأولى إلى البحث عن المادة قبل العلم، وهذا أمر لا يتحقق إلا بطبيعة التفكير الذي يُنظِّمه الوازع الأخلاقي للتخفيف من حدة التوتر النفسي وانعكاسه على القيم، حيث بدا لنا جليا أن علاج كرونا لا يتوقف على الطابع المادي في إيجاد مصل الشفاء، وإنما على الطابع الأخلاقي القائم على شروط الوقاية حرصا على تطويق الوباء بالتوعية والأخذ بأسباب النظافة وتحقيق شرط التباعد المادي بين الأشخاص، هذا علاوة على إقرار مبدأ التضامن الإنساني، وخلق الارتياح النفسي للأفراد، فنحن لسنا في هذا الطرح، أمام صراع بين الفلسفة المادية والمثالية، وإنما أمام لحظة تأمل فلسفي أخلاقي، لفهم الظرفية الوبائية وما تقتضيه من حكمة وتبصر في التعامل مع هذا الوباء، وطرق تطويعه، وهنا يتضح سؤال معنى المعنى، داخل بوثقة مادية المادة، ضمن ما يعرف بمقتضيات التفكير الجدلي، حيث إن الحفاظ على المورد البشري هو في الأساس صيانة للقيم الأخلاقية التي من خلالها يمكن تأطير ماهية هذا الوباء، ذلك أن مفهوم المادة في الفكر الفلسفي، يختلف كثيرا عن القواعد والقوانين الفزيائية والطبيعية، فإذا عدنا لكارل ماركس، نجد ” المادة عنده كل ما هو خارج وعينا ومستقل عن إرادتنا”[5]، إلا أن بلورة هذا التعريف يتنافى مع معطى تصورنا في فهم المادة كتشكل أخلاقي نابع من حس إنساني، باعتبار أن ” الفكر هو الحركة الباطنية التي تحدث الإحساس في الدماغ وانعكاس ذلك على سلوكيات الأفعال”[6]، كل هذه المنطلقات جعلتنا بين مطرقة كرونا وسندان المادة، لإعادة إنتاج الأخلاق، في زمن استفحل فيه الوباء فأصبحنا نتحدث عن الخسائر البشرية والمادية أكثر من الحديث عن صحوة ضمير القيم الذي من شأنه إعادة بناء المادة، وفق معطى أخلاقي يسمح بتفكيك ثقل الواقع الذي جثم على إرادة الإنسان وتفكيره في حلّ يمُكِّنه من تحقيق التماسك الذاتي والجماعي، لأنه بات من الصعب أن تعيش أنفسنا بين شكل يتهدم في ظل غياب شكل ينهض، وهذا ما يدفعنا لإعادة فهم معنى المعنى، أي فهم الإنسان كمادة في علاقته بالأخلاق.

إن الجدل المادي في زمن كرونا أضحى متهاويا، نظرا لهيمنة النزعة المعنوية على نفوس الأفراد، فأصبح العالم عندهم أصغر من خلية كرونا، لأنه اختبار لجواب تجاوز فلسفة السؤال الوضعي، بهدف إعادة إرساء التأمل في فهم معادلة الحياة، بمنطق الزوال أو ما يعرف بالرحلة المادية الفانية إذا ما قورنت بتطلعات الحياة السرمدية التي تتأسس على أبدية روح الأخلاق؛ كل هذه التصورات هي نتاج الأزمة الإنسانية في ظل الوباء، لهذا نقول إن مدرسة كرونا بأدبياتها الغامضة قيمة أخلاقية توجه السلوك المادي للإنسان، صوب استرجاع وعيه الطبيعي، ”لأن الأخلاق تشكل نظام القيم المتعارف عليها داخل ثقافة ما، سواء أكانت مستمدة من الطبيعة أو القانون أو العرف الاجتماعي أو الدين”[7]. وهنا يحضرني بيت شعري لأمير الشعراء أحمد شوقي، يركز فيه على أهمية الأخلاق لأنها جوهر الوجود المادي بقوله:

وإذا أصيب القوم في أخلاقهم ** فأقم عليهم مأتما وعويلا[8]

من خلال هذا البيت، يتضح أن المأتم والعويل، لا يتعلق بوباء كرونا، وإنما بذهاب الأخلاق التي بها يمكننا التغلب على نكبات الحياة. فالحياة مادة والأخلاق روحها، مصداقا لقول الشاعر أبي الفتح السبتي:

يا خادم الجسم كم تشقى لخدمـته** أتطلب الربح مما فيـه خسران[9]

أقبل على النفس واستكمل فضائلها** فأنت بالروح لا بالجسم إنسان

يتضح من هذا المنطلق، أن وباء كرونا، هو اختبار للإنسانية من أجل استعادة الأخلاق على حساب المادة، فإذا كان الإنسان محور الوجود، فإن الأخلاق نواته والمدار الذي يعطي لشكل الحياة مضمونها، إذن فهل يعزى تأخر إيجاد مصل كوفيد-19 لضعف العلم أم لغياب الأخلاق؟ هذا معناه أن قاعدة العلم تتأسس على جوهر الفكر، ولا مادة بدون فكر، إذ من خلال هذه الثنائية(مادة، أخلاق) يتبدى لنا أن جواب الإنسانية ظاهر من خلال الوعي بمادة الأخلاق، لأنها الملكة الأساس في تركيبة ماهية الإنسانية، لأن بغياب الأخلاق يحل الوباء، ذلك أن ما يجعل البشر إنسانيين هو طيبة القلب وإحقاق شروط الإنسانية من حب وتضامن وتضحية، وكلها مكونات لإعداد مصل الشفاء ضد وباء كرونا.

كرونا النقطة التي أفاضت الكأس عالميا

 إن البشرية اليوم، بعدما كانت تتسابق بالأمس القريب نحو غزو الفضاء والتسابق نحو التسلح، ببسط هيمنة السيطرة العسكرية والتكنولوجية، أصبحت محط إحراج واقعي أمام وباء كرونا، أمر جعلتنا نعيد التفكير في ما أسميناه بالدول العظمى، أمام فيروس أستطاع تركيعها، بل حط أنفها أرضا، ليترك لنا فسحة التأمل من جديد في سُنَن هذا الكون، وما يمتاز به من قوانين خفية قزمت قدرة عِلْمنا عبر انعكاس صورة ضعفنا أمام سفاح صامت، لا نعرف عنه سوى لعبة التخفي والخداع، كل هذه المتغيرات منحتنا فرصة التفكير في معنى الفناء الوجودي بطريقة جعلت الإنسان بين مطرقة الاستخفاف من هول الوباء، وسندان عجلة الموت التي حصدت الآلاف من الأرواح بوعي أو بدون وعي.

 إننا نقف الآن أمام مرحلة تاريخية من الحياة البشرية، هي مرحلة الاعتراف بالضعف البشري عبر محاكمة قصور العقل في ظل هذا الانفلات الوبائي العظيم الذي شلّ حركة الحياة، كما قدم درسا في مفهوم ديمقراطية الموت بين جميع الطبقات الاجتماعية، لكن يبقى السؤال المطروح والمتكرر، هل نجحت البشرية حتى الآن في استيعاب درس كرونا؟ وهل فهمت مفهوم الدهشة الفجائية التي لم تترك للعلم فسحة التأمل في قوى الطبيعة؟ وهل اتضح أن العلم البشري نسبي لا يرقى إلى المستوى الإحاطة بكل ظواهر الوجود؟

يعد هذا الوباء العالمي، اختبارا للإنسانية، بعيدا عن الشعارات الساسوية الزائفة، لأنه قائم على فعل القوة وليس فعل القول، نظرا لانعكاس فلسفته المادية الضاغطة اقتصاديا على الواقع الاجتماعي، عبر جدل إكراه مجابهة الموت بالموت، أي موت تكافؤ الفرص، وموت الضمير الإنساني، وموت نزيف السؤال المكمم بحلول لا ترقى لصد رمق عيش الفئات المسحوقة في جميع بلدان العالم، إنها المعضلة الأنطولوجية التي تبحث عن إقصاء جوهر الوجود دون تحديد ماهيته، هذا ما يدفعنا للقول، إن وباء كرونا ليس هو الموت في ذاته وإنما في غيره من الممارسات التي تحيي الموت وتقتل حياة الأماني الممتدة لدى العديد من الطبقات الاجتماعية الراقية..

 لا شك أن كرونا هي النقطة التي أفاضت الكأس، بل هي امتداد للانفجار العظيم، ليس من الرؤية الفزيائية وإنما البيولوجية التي تجاوزت البعد المادي لتقف عند التأملات الفكرية والفلسفية، لفهم معنى الأفول والنهايات، إنها الكائن والممكن وما سيكون…باعتبارها النقطة الفاصلة بين ثنائية الموت والحياة، بين الواقعي الذي ندركه، والمتخيل الذي يقودنا لمسلسل تراجيدي من الأفكار الغامضة تجاه فكرة المصير، في الوقت الذي كنا ننعم فيه بنعمة الاستقرار النفسي رغم دوامة الصراع الخارجي إقليميا ودوليا.

إن التكيُّف الإديولوجي مع راهنية الوضع، لا يقوم على تبريره، وإنما البحث عن سبل النجاة للحفاظ على هيبة الدول واستقرارها الداخلي، لأن هذا هو المنطلق والرهان الذي يعيد كسب الثقة في العلاقات الخارجية فيما بعد، لتكون بذلك كرونا اختبارا من أجل ولادة بروطوكولات جديدة بين الأنظمة، وأن النظام القوي هو الذي يستطيع امتصاص هذه الجائحة بنوع من الحكمة والتبصر والذكاء، في ظل إقصاء غياب الرؤية العالمية للحد من انتشار الفيروس الذي سيخلق جدل الصراع ما بعد زمن كرونا، بين متهم ومتهوم.

 ذلك أن التنبؤات المستقبلية لم تعد تفكر في الوقت الحالي عن كيفية العيش في المريخ، أو تخصيب اليورانيوم أو الحروب الإقليمية.. وإنما بفترة الحجر الصحي الذي ينبغي فهمه من منظور عقلاني قائم على أسر فيزيقية الجسد وتحرير جوهر العقل، لأن هذه الفترة تعتبر مرحلة اختمار للمعرفة الإنسانية في مراجعة الأوراق وترتيبها،عبر  إعادة النظر في الرأسمال البشري، لأنه الفاعل في عوامل التغيير المجتمعي نحو الأفضل، بعيدا عن كل الأشكال الانتهازية التي تغلب المصلحة الذاتية على حساب آلام وجراحات المجتمع.

سؤال كرونا وسبل تأسيس جواب المعنى الديني

شكلت المعضلة الوبائية، طفرة جديدة في إعادة النظر في الفلسفة الوضعية وتحديداتها الأنطولوجية التي تعد جوابا جديدا في فهم فكرة الوجود والمصير، من خلال الوقوف على أبعاد الخطاب الديني وإعادة النظر في نقد القيم، عبر تزامن الوباء بمرحلة ما بعد الحداثة، الشيء الذي أدى إلى إقامة علاقة نقدية مع سلطة الفكر وجوهر الدين، لتفسير وقع الجائحة بنظرة جديدة تتجاوز الأعراف الوضعية لتُؤَسس على رؤية تأملية قائمة على تحليل ظواهر الوجود، بعدما كان لريادة العلم كلمته، ولعل هذا ما خلق وعيا توافقيا مبنيا على مبدأ تضام العلم بالدين، كحل سمح للكثير في إعادة جمع شتات الوعي بالدين عبر الإقبال على إيقاع الحياة بطريقة جديد تتماشى والنزعة العقدية، باعتبارها تجليا روحيا يحايث أطر التفكير البشري، عبر البنية الثابتة في الخطاب، والمتحولة عبر أنساق تفسير معنى ظواهر الوجود، لأن انفلات وباء كرونا لا يقف عند المفاهيم الحتمية والرؤى الميكانيكية للكون، وإنما يتعدى ذلك إلى رؤية ما لا يرى وسماع ما لا يسمع، إنه البحث عن المجهول، ضمن ” غياهب الفكر التي لا يمكنها أن تستقر إلا على مفتاح النص الديني، باعتباره جواب الظرفية الراهنة التي تمتص سؤال فكرة المصير عبر معاني العودة لقيم الأخلاق، لأنها الجواب الواقعي الذي يتجاوز ميثولوجية العرف الثقافي السطحي في تفسير وقائع الوجود”[10]. فسؤال كرونا لا يقف عند المعاني الميتافيزيقية بقدر ما يقف عند ”القوانين الأخلاقية التي تدير جوهر العقل داخل فيزيقية معاني هذه العلل، وإن كانت الملَكة العقلية قاصرة على بلوغ المعرفة الحقيقية لما يخفيه الوجود”[11] بما هو موجود من كدمات تعد ” القانون الأساس للتطور العقلي”[12].

لقد اتُّخِذ من قيم الأخلاق الدينية، مثلا أعلى يقود الإنسان إلى الانفتاح الكوني من جهة، وإلى قدرة فهم ظواهر الكون ومتغيراته الطبيعية من جهة أخرى، وما يخلقه ذلك من استشعار الأفراد بالأمن والطمأنينة، وهو ما كان سببا رئيسا في عودة الشعوب لدينها باعتباره المفتاح الذي يحل أقفال الأزمة الوبائية التي عَلِقَت فيها شعوب العالم لمدة تزين عن تسعة أشهر، حيث كان الحضور الديني قويا من حيث المواعظ والتوجيهات التي يقدمها رجال الدين، لتهدئة النفوس، هذا إضافة إلى كون الأطباء أنفسهم، يلجؤون إلى رأي علماء الدين لإرشادهم حول كيفية التعامل مع بعض المستجدات المتعلقة بأخلاقيات الطب مثل أولوية وضع جهاز التنفس الاصطناعي، وأولوية العلاج، وحكم رفع الأجهزة عن المرضى الميؤوس منهم.

إن للدين حضوره القوي بين ثنايا الواقع، وما يخلقه من مواقف تتدافع فيها المعاني لِتُعرب عن سمة الأخلاق المتأصل في كنه فطرة الإنسان، إنه الجواب الذي بُني عليه سؤال الاختبار، وفق رؤى تندغم فيها المواقف بالأفعال لا الأقوال، حتى يتسنى للدين حضوره القوي في ملء حيز الخوف الذي جثم على الناس أثناء الحجر، واستعاد حياة الثقة بالنفس.


اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق