المقالات

كرونا وإعادة بناء الفعل السياسي (مبارك الموساوي)_1_

من مصادر معاناة السياسة بعد الالتفاف على جيل وحركة التحرير الوطني في البلاد العربية والإسلامية أن صار حضور السياسي في كل المجالات؛ حضور منظر وحضور مبرمج وحضور منفذ، حتى ظن الكثير أنه منعدم الوجود إذا لم يكن سياسيا أو في جبة السياسي الذي لا يضع عينه إلا على كراسي الحكم أو توابعها أو على التقرب والتملق لكبرائها المحليين والدوليين، وازدادت المعاناة حدة لما تيقن رجل الأعمال والمال أن مستقبله المالي وطموحه الاجتماعي رهين بعلاقته بالسياسي؛ علاقة خدمة أو علاقة تبادل الأدوار أوالمصالح الخاصة.

حصل زواج غير شرعي محكوم بمصالح في الغالب غير شرعية أو توسلت بأدوات غير شرعية بين السياسي والمالي فصنعت الظروف إعلاما هو وليد هذا الزواج غير الشرعي، وهو من كانت له اليد الطولى في تغطية العالم وفي صناعة الرأي ورواج المعلومة بل قي أحيان كثير يصنعها صناعة خاصة ومحترفة.

هنا تعقدت العلاقة بين الحقيقة والسياسة، وتلاشت الأولى وفرض عليها الانزواء إلى هامش الهامش، فصارت حياة كل من يبحث عنها مهددة، بل محكوم عليها بالإفناء المذل بعد الفقر المدقع في كثر من الأحيان، ثم ارتبك معناها فصارت عبارة عن وهم أمام ما جعله السياسي يقينا لا مراء فيه، أو صورة هلامية لا تصمد أمام أي فعل يقوده هذا السياسي المحنك والمسلح بكل ما تحتاجه “المعارك المصيرية” من السلاح المتاح: من المكر والخديعة إلى القتل المعنوي أو المادي الجسدي للخصم حسب ما تقتضيه الضرورة وتسمح به المرحلة.

عمت هذه العدوى جل التنظيمات ذات المعنى الحزبي فارتهنت تصوريا وعمليا لنفس المنطق في الغالب، سواء في علاقاتها الداخلية أو في علاقتها الخارجية، وكان ذلك تعبيرا حاسما عن مرحلة من انتشارها في البناء السياسي والمجتمعي فتحددت معايير الوجود ومبادئ ومضامين العلاقات.

هنا تخلف جدا موقع العالم والمثقف والمناضل الصادقين، وفُرض الانكفاء على الغالب منهم وهمشت أدوار من صمد وقاوم حتى قضى نحبه أو اغتالته مافيات السياسة والمال كما الحال في كثير من الدول، أو أرغمته الحاجة إلى الركون لسلطة تحالف السلطة والمال والاعلام ليضمن العيش على الأقل لفلذات أكباده.

هذا حال غالب الدول الخارجة من فترة الاحتلال، لكن الصورة أكثر بشاعة في ماهية النظام الاستكباري العالمي الذي توج بعد ترسيخ قيم العولمة في شبكة مالية واقتصادية معقدة عالمية يستحيل تفكيكها خاصة لما صار قوت المواطن اليومي في الدول المتخلفة مرتبطا بها بشكل من اشكال الارتباط، بل يرتبط بها مصير دول، ويعيش الإنسان العربي والمسلم ما تفعله هذه المنظومة بالقضية الفلسطينية في هذه الظروف السياسية والاجتماعية القاهرة وأصبحت جل البلاد مباحة لكل الأعمال القذرة إما في صورة عنف مباشر أو نعومة مضللة؛ ولولا ذلك النبض الذي تتيحه بعض المناسبات، خاصة انتصارات المقاومة في فلسطين، للتعبير عن موقع هذه القضية في معنى الوجود الإنساني العربي والمسلم والإنساني لكان الاستسلام الكبير بين يدي كماشة وضع سياسي غاية في الظلم والتظالم ووضع اجتماعي غاية في الهشاشة والضعف.  

بين كل هذه المعاناة يرقب المراقب صراعا ظاهرا وخفيا حسب الظروف السائدة بين مصالح الدول التي استطاعت أن تبني اقتصادات شبه ذاتية أو ذاتية قادرة على الممانعة في ظل أنظمة سياسية ممانعة، بغض النظر عن ماهيتها في علاقتها بمواطنيها وبالخارج، نموذج علاقة الصين وكوريا الشمالية وإيران بأوربا وأمريكا خصوصا، وما تفعله أمريكا في بعض دول أمريكا اللاتينية غير بعيد من هذا، بل من جوهره.

في ظل هذا الواقع تقع أحداث كبرى، سياسية وطبيعية، وتطرح معها أسئلة كبرى، لكن سرعان ما تلتف الآلة السياسية الإعلامية المالية عن ماهية هذه الأسئلة وتحول مسارات البحث عن أجوبتها بما يكرس تحالفها وهيمنتها وتحقيق مصالحها ويحافظ على قبضة الوعي المزيف وهامشية الوعي الحقيقي ورجاله.

كان احتكار مصدر المعلومة والتحكم في زمن ترويجها عاملا مهما في الإخضاع المصاحب بوسائل القمع والتدجين والالتفاف والاحتواء إلى حدود “ثورة التواصل المعلوماتي”، لكن كرونا، هذا الوباء الذي عم العالم وعم معه أثره النفسي والصحي والسياسي والاقتصادي والمالي وبغض النظر عن مصدره، حصل في زمن عمت فيه ما يسمى بوسائط ووسائل التواصل الاجتماعي جل البيوت وصارت في متناول كل شخص حيث قوضت هذه الوضعية حالة التهميش والإقصاء وسلطة الوعي المزيف إلى درجة هامة.

إن من أهم الأحداث السياسية التي وقعت في ظروف هذه الوضعية هو ما سمي بالربيع العربي الذي لم تتكشف بعد جميع تفاصيله و”كواليسه” إلا ما كان بين يدي تلك الوسائط وتلك الوسائل من أدوات الإعلام والتواصل الاجتماعي، إذ ما وفرته هذه الوسائل لدى عموم الناس هو ما غير معادلاته الأصلية لصالح الإرادات الشعبية التي كانت تفتقر إلى القيادة الحاسمة الكاملة المؤهلة لحسم هذه المعادلات لصالح الشعوب واستكمال مسار حريتها، وذلك بعامل الضعف المشار إليه، الأمر الذي جعل من إرادة القوى المناهضة للتغيير حاسمة وبعنف غير مسبوق.

فهل حدث كرونا سيكون تاريخيا بحيث يمنح الفرصة الحاسمة للوعي الحقيقي ليحتل عبر رجاله ومؤسساته مواقعه الطبيعية في خدمة الإنسان والإنسانية وتدبير شؤونها اليومية، أم مرة أخرى ستستطيع آلة التحالف الاستكباري ممارسة التدجين ومن ثمة تفعيل مواقعها والحفاظ على منسوب الوعي الزائف لدى عموم الناس عبر عملية التفاف يقودها تحالف السياسة من خلال السلطة مع المال والإعلام، أم ستفرز قيادة نموذجية كبيرة ومتعددة ومتنوعة وجامعة لتقود حركة المستضعفين وتستثمر لحظة ضعف الاستكبار لرفع الاستضعاف عنها؟

.2.

بعد ما مسي بالربيع العربي لا يمكن الفصل بين الحديث عن الذات مفصولة عن الآخر، أيا كانت ماهية العلاقة معه، أو الحديث عنه دون حضور الذات وعيا وممارسة.

معنى هذا أن هامش المناورة لصالح الحرية صار ضيقا جدا، سواء للتفكير في الذات أو للتفكير في علاقتها مع الأخر أو لرسم خطط عملها وتنفيذها، لأن أي انشغال بالذات خارج استحضار سيرورة فعل الأخر في الزمكان، الذي هو تحالف السلطة والمال والإعلام مع استفحال واقع تشبيك علاقاته ومصالح ميدانيا، يعني شرودا يُقصى صاحبه تماما من الحلبة لتصبح حركته مجرد حركة وليد مرمي في قمامة أزبال مليئة عن آخرها تنتظر فرصة حملها إلى مرماها، لأن الكل، خاصة الاستكبار، منشغل ليل نهار بتفاصيل نجاح خططه وتكتيكاته واستراتيجياته في نهب وإخضاع الآخر وفي نفس الوقت مطمئن إلى وضعه الداخلي في علاقته مع مواطنيه الذين ليسوا إلا أرضية وجوده الصلبة ومنطلق عملياته الكبرى في العالم والكون ولا يطلبون منه إلا تأمين شروط بقائهم.

فالإنسانية في حاجة إلى لحظة عودة إلى الذات؛ النفس والموطن، تنظر إليها وفيها وبها عسى تتمكن من فرصة إعادة بنائها بما يضمن لها وعيا حقيقيا بهذه الذات وبمسارها وبمصيرها، ومعه بإمكانياتها خارج رهن وجودها بالغير الذي تبين أنه مجرد باحث عن مصلحته الخاصة التي تسمح له بإيهام الآخر أنه يعتبر مصلحته هو كذلك، لكن الحقيقة إنما يصنع له شعورا مزيفا ووهما كبيرا يطيل من زمن استغلاله استغلالا ناعما، ألم يحدثونا يوما عن القوة الناعمة، والفوضى البناءة…وعن أخواتها؟

كرونا، قَدَرا صنع هذه الفرصة، أدخل العالم كل واحد إلى موطنه وأرجعه إلى ذاته، فكما فرض على الدول غلق الحدود فرض على الفرد المكوث في بيته مهما كان هذا البيت، فاكتشف بشاعة الأوهام التي تعلق بها زمنا طويلا، وكان رائدها الاستكبار.

فهذا الدخول ليس إلا عودة اضطرارية إلى الذات لتكتشف ضعفها وحجم التزوير الذي مورس عليها، وهي لحظة الأسئلة الكبرى المصيرية والإنصات إلى ترددها خارج ضجيج المحيط، وكل من تهاون اتجاه هذه الأسئلة وماهيتها الوجودية المصيرية واتجاه البحث عن الأجوبة الحقيقية لها كان في خبر كان بعد كرونا، وأظنه بعد 2021.

فبعد كرونا ليس كما قبله بالنسبة للإنسانية، فرادى وجماعات ودولا ونظاما دوليا، وهكذا.

بعد كرونا السؤال الأم هو سؤال القيادة، وعليه ستدور جميع الأسئلة وتتفرع، لذلك من يقلب الأسئلة ويبدأ بالفرعية لن يكون إلا منتجا لنفس تجربة الوهم التي سبقت وهي تجربة الوعي الزائف والدوران في حلقات الضعف الشامل.

سؤال القيادة على جميع المستويات؛ المحلية والدولية والأسرية والمجتمعية والسياسية والاقتصادية المالية؛ إنه سؤال ماهية القيم التي ينبغي أن تسود برجالها ومؤسساتها وعلاقة هذه القيم بكل المؤسسات والسلوكات الفرعية في الدولة والمنتظم الدولي على السواء.

هنا سيصبح حتما من أهم الأولويات والتجليات للوعي بأسئلة المرحلة وبأجوبتها، العمل الكبير على إعادة بناء الفعل السياسي من خلال بناء استقامته على أساس القيام بالوظيفة الطبيعية من خلال الموقع الطبيعي للفرد والمؤسسة، والعمل الواعي بناء على إرادة إلغاء كل ما هو فاسد ولم يعد صالحا للبناء المستقبلي مقدمة أوموضوعا أوخاتمة، إذ خارج هذا المنطق ليس إلا الطوفان الذي لن يستثني أحدا، لأن زمن خضوع الشعوب لأي صورة من صور الاستبداد، في السياسة كما في الدين، ولأي صورة من صور الاحتلال والاستغلال، قد انتهى ولا نعيش إلا تداخل فتراته الأخيرة مع مرحلة الحرية التاريخية، ذلك أن الخلط في المواقع واحتكارها عسفا أو ظلما وحتى خطأ في كل مستويات الحياة الاجتماعية والسياسية، وبما هو تكريس لعملية الالتفاف التي حصلت بعد الاستقلالات الصورية في حق خط الحركة الوطنية بعد فترة الاستعمار، لن يكون إلا عامل الضعف الأبدي وقد يُحَول الكل إلى شظايا.

فالحرية التاريخية ليست إلا مرحلة مقدمة من تاريخ الإنسانية في صراعها مع كل تجليات الاستكبار المتجلية في صور الاستبداد والاحتلال والاستغلال لكل خيرات وطاقات الشعوب إما عبر القوة العنيفة أو القوة الناعمة، ولذلك فمن أهم مقدماتها إخراج الفعل السياسي من دائرة العادة السياسية، المكرسة لواقع الضعف والاستبداد واختلال المواقع والمواقف، إلى خط الفعل التاريخي عبر إعادة بناء هذا الفعل بتحريره من قبضة السياسي الذي احتل جميع المواقع وهيمن على جميع عناصرها في كل الحقول والمجالات والقطاعات عبر أخطبوطية الدولة لما صارت مجرد أداة سياسية تخلصت إلى حد بعيد عن مهمتها الأصلية بما هي أهم الأدوات الاجتماعية.

لقد مرت علينا عقود كثيرة لا نسمع إلا للسياسي أو من سخره السياسي أو سخر نفسه للسياسي، لكن كرونا فرضت علينا مباشرة درسا عميقا إذ تم تعميمه بهدوء وسرعة فائقة وكأن هناك راع مشرف على العملية.

وإذا تم الإنصات بعمق وهدوء لهذا الدرس فالخلاص محقق أما إذا تم تجاهله فالطوفان عارم، ولما بعده نكتب تحذيرا وتنظيرا وجوبا واضطرارا لا نفلا واختيارا.

هذا الدرس مقتضاه أن الخلاص جماعي إنسانيا، وأصله أن القيادة الكبرى صنفان أو قل مؤسستان متكاملتان؛ مؤسسة القيم العليا ومؤسسة العلماء والخبراء، وهنا، ولمصلحة الجميع وجب أن يعرف السياسي قدره وحجمه وموقعه ومهامه بإرادته فيلزم أو سيَفرض عليه ذلك الطوفانُ فرضا وحتما.

لذلك نجد كرونا قد أخرس السياسي بكل صوره وأسكت معاونيه وردهم إلى حجمهم الطبيعي، بل كشف مكر وعناد بعض كبرائهم؛ ألم تخض لجان علمية متخصصة معكرة شرسة لإقناع الرئيس الأمريكي ترمب بعدم فتح مداخل البلاد حتى لمصلحة الحد من انتشار الفيروس وهو السياسي الخائف من الانتخابات المقبلة فخاف على انهيار الاقتصاد الأمريكي، كما فرض كرونا هذا على الجميع الاستماع إلى العلماء والخبراء في الميدان، ففي نفس الوقت جعل الجميع يبحث عن سؤال أكبر من العالم والخبير؛ وهو سؤال المصير: كيف أن فيروسا لا يُرى جعل العالم كله في لحظة ضعف رهيبة، مهما كان السبب الظاهر في وجوده، وجعله وجها لوجه مع حقيقة الموت وسؤال الموت؟

هنا لابد من الاستماع إلى كل الأجوبة واختيار الأفضل فيها، ولاشك في عالمنا العربي والإسلامي لن يكون إلا جواب الربانيين العارفين بالله الذين كان لهم الدور الحاسم في الحفاظ على جوهر وجود الأمة تاريخيا، وقد بدأت اليوم حتما مرحلة قيامهم بمهام إعادة بنائها وفق نظام قيم تمنح الاطمئنان وتدفع إلى الجد والمسؤولية الوجودية، وفي ظل حركة هذا الجواب وهذا البناء التجديدي تُقام الأدوار الطبيعية من المواقع الطبيعية للأفراد والمؤسسات وساعتها سيظهر للكل سرعة اختراق واقع الضعف إلى واقع القوة وواقع الخوف إلى واقع الاطمئنان والأمان وواقع الاستبداد إلى واقع الحرية وواقع التخلف إلى واقع التنمية.

هذه القيادة بهذا المشروع المتحرك اليوم، الذي تَطوي له الطريقَ مثلُ هذه الأحداث الخارجة في كليتها عن الإرادة البشرية، تؤسس لتحالف الفضلاء العالمي ليكون الفعل ضمن استراتيجية تقويض الاستكبار وحتى الثورة عليه إذا اقتضى الحال ذلك لتحرير الشعوب والنظام والمنتظم الدوليين من مضمونه الاستكباري التسلطي الذي لا يسمح بهمسات اجتماعية إنسانية إلا حسب مصالحه الخاصة ومعاييره الخاصة. ولسنا في حاجة إلى الاستدلال على هذا، ففلسطين وكثير من بؤر العالم تؤكده.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. أعتقد جازما أن وباء كورونا سيغير مفاهيم كثيرة في العقلية العربية، لأن العقلية العربية حبيسة أفكار سلطوية، مما أدى إلى تجذر التبعية والتخلف فيها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق