المقالات

بين استطلاع الرأي ومعرفة الحقيقة(عز العرب الحكيم بناني)

توجد مؤسسات لاستطلاع الرأي في الدول التي لا تخشى على نفسها من معرفة اتجاه الرأي العام. ذلك أن استطلاع الرأي ييسر معرفة آراء المواطنات والمواطنين بخصوص قضية سياسية أو اجتماعية أو ما شابه ذلك، كما يراعى رأي المواطنين في السياسات العمومية والبرامج السياسية. ويتعذر علينا أخذ هذه الآراء بعين الاعتبار عند غياب هذه الاستطلاعات . هناك من يشكك في القيمة العلمية لاستطلاعات الرأي، ولو أن الشك فيها لا يستند إلى حجج قوية.

على العكس من ذلك، لا معنى اليوم لوجود دراسة علمية جادة دون القيام بدراسة ميدانية أو على الأقل دون معرفة الوقائع المادية بنوع من الدقة.لا جدال في أن الكتابة الصحفية الجادة تحاول أن تنقل الوقائع المادية أو تستطلع الآراء وهي ملزمة بالاحترافية في نقل الخبر. لا تسعى من جهة أولى إلى نقل أخبار يحرص المستفيدون منها على نشرها، كما تجازف من جهة ثانية بنقل أخبار يتهرب الخائفون منها من نشرها. فهي قد تتحول إلى صحافة بروباغاندا، أو تسقط بين أنياب الرقابة، أو تتعرض للموت أو الاعتقال.وقد أدّت الصحفية شيرين أبو عاقلة حياتها ثمنا للبحث عن الحقيقة. ذلك أن الحقيقة لا تكتسي أهمية بالغة إلا عندما تكون محاطة بسياج من الترهيب والخوف. ونحن نعلم أن بعض كبار المبدعين الحاصلين على جوائز نوبل اشتغلوا صحفيي الحروب journalistes de guerre ذاقوا ويلات الحروب وعرفوا حجم معاناة ضحايا القتل والتهجير والفقر من قلب أماكن التوتر والحروب، مثل هيمنغوي والبير كامو وغيرهما. كما اشتغل بعض الأطباء في أماكن الحروب، وفضلوا مهنة طبيب الحرب، بدل العيش في ظروف آمنة بعيدا عن أماكن التوتر. إذا ما قمنا ببحث صغير سنجد أدباء ومفكرين اجتماعيين اشتغلوا مع الهلال الأحمر أو الصليب الأحمر الدولي ومع الجمعيات الطبيية ومع المؤسسات الدولية العاملة في الطفولة والمرأة والصحة العامة.

هؤلاء الصحفيون والأطباء والمحامون الذين يعملون في ظروف الحرب ويتوصلون إلى الحقيقة من خلال العمل الميداني يمثلون نموذجا جديدا نستفيد منه في البحث العلمي.فقد حضرت قبل عقدين من الزمان ندوة في فيينا عن العنف، وفي الجلسة الأخيرة قام طلبة وباحثون بعرض نتائج دراسة ميدانية عن الإبادة التي تعرضت لها قبائل التوتسي برواندا سنة 1995، وقد كان الباحثون قد قاموا بالدراسة في عين المكان، والغريب أن العسكري النمساوي الذي كان ضمن بعثة الأمم المتحدة إلى رواندا كان حاضرا في الجلسة وتعرض لنقد لاذع من طرف الباحثين، بدعوى عدم القيام بكل ما كان من المفترض القيام به لتجنب الإبادة.

بصرف النظر عن مدى دقة نتائج البحث الميداني، يبدو أن الربط بين النظرية والممارسة وبين الفرضيات والتأكد منها في عين المكان أصبحا من أوجب الواجبات في البحث العلمي، كما أن هذا التلازم بين وضع الفرضيات والتأكد من صحتها يطرح تحديا كبيرا على الباحثين غير المتعودين على ذلك. ويبدو أن الصحافة المكتوبة التي تقوم بالبحث والاستقصاء قد فهمت الرسالة جيدا وعملت على تدارك هذا النقص. ويمكن للجامعة أن تقوم بتأصيل البحث العلمي في المجال، على الأقل في حقل العلوم الاجتماعية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق