المقالات

المعرفة وداء التحيز(مصطفى حضران)

هناك مسلمة أود بداية أن أثيرها وهي أن المعرفة لا تقبل التحيز أو الانحسار في أطر ضيقة تنتجها الأيديولوجية، مهما كانت خلفية هذه الأيديولوجية ومذهبيتها، إن المعرفة تحمل في ذاتها جينات التوسع والشمول، لأنه يحكمها قانون سنني وهو أن المعرفة تنتهي آثارها الإيجابية ويقف عطاؤها، ويخفت إشعاعها، ويندثر دورها إلى الأبد، إذا أريد لها قسرا أن تعبر عن توجهات ضيقة، وتستجيب لنزعات طائفية بسبب اللون أو العرق أو المعتقد، أو تعبر عن موقف أيديولوجي يقصي الآراء الأخرى، فليس هناك شيء يهدم الفعل الحضاري للعلم والمعرفة أكثر من التحيز والانغلاق، ومحاولة اصطباغ الفكر والمفكر والعلم والعالم والثقافة والمثقف بلون سياسي أو أيديولوجي، والعمل على احتكاره ووضع السدود والمتاريس بينه وبين الناس، هذه المتاريس تتحول عبر الزمن إلى سدود معرفية وحواجز نفسية، تكون نتيجتها أن ينفض الناس من حوله والزهد في فكره وعلمه، بل اتهامه بما ليس فيه ومنه.

هذه الحالة تصدق بشكل كبير، على مفكر فذ من مفكري المغرب الأقصى، وهو المفكر المغربي الدكتور عابد الجابري، الذي حاول البعض خاصة في فترة زمنية معينة احتكاره لنفسه،وهو ما سنحاول إبطاله في محاولة لتكسير بعض هذه الحواجز الوهمية والأحكام المسبقة، التي حالت بيننا وبين فكره، لتحرير فكر الرجل من كل احتكار وتحيز، ولنقدمه -وهو أهل لذلك-، معلمة فكرية إنسانية عامة ومغربية خاصة.

انظروا اليوم إلى نوعية المشاريع العلمية التي كتب لها النجاح والاستمرار والقبول، ستجدونها مشاريع أنتجها أصحابها بنفس جمعي خدمة للصالح العام وليس لأغراض ذاتية أو طائفية أو حزبية، مشاريع تجاوز أصحابها عقدة الذات والآخر، وتعاملوا مع المعرفة بعيدا عن كل المنطلقات التي تؤسس على أحكام مسبقة وجاهزة، فأصحاب هذه المشاريع المعرفية الكبرى تحلّل أصحابها من كل النزعات الطائفية والإقليمية والحسابات الحزبية الضيقة، التي لا ترى إلا مصالحها ومصالح أتباعها، فانطلقت هذه المشاريع تجوب رحاب الأرض طولا وعرضا وتقبلها الناس بقبول حسن وتفاعلوا معها لأنهم وجدوها تعبر عن آمالهم وآلامهم كما وجدوا فيها ذواتهم وضالتهم، إنها مشاريع احترمت السنن الكونية والفطرة البشرية التي تأبى الانغلاق والتحيز، في حين نجد المشاريع الفكرية التي تأسست على أعتاب الطائفية والنظرة الضيقة، لم يكتب لها النجاح في حياة الناس، وتهاوت بمجرد زوال أسباب وجودها، بل في أحيان كثيرة نجدها تتلقى عاصفة من النقد والرد والاستهجان أمام أعين أصحابها بعد أن يظهر خورها وتحيزها.  

فالتاريخ يشهد أن المعرفة التي تأسست في بعدها العالمي الكوني، هي التي كتب لها البقاء والاستمرار جيلا بعد جيل، في حين أن المعرفة ذات البعد الطائفي أو الإقليمي لا تقوى على الاستمرار، إذ سرعان ما تذبل وتختفي لأنها نمت في فضاء مغلق، وكلما حاولت الامتداد في فضاءات أخرى أوسع وأرحب إلا وعاشت العزلة والغربة. 

وإذا تأملنا الخطاب القرآني وجدناه يؤسس لهذا البعد المعرفي العالمي، الذي يتجاوز منطق القبيلة والعشيرة إلى فضاء الإنسانية الأرحب، فالخطاب القرآني ذو نسق معرفي منفتح على كل الثقافات والأجناس بعيدا عن التمركز سواء حول الذات أو اللون أو المعتقد، لأن الإسلام دين عالمي يتجه برسالته إلى البشرية جمعاء، وعالمية الإسلام هذه، تجعل الثقافة الإسلامية منفتحة ومتجاوبة مع ثقافات الشعوب الأخرى، فالإسلام  يرفض مقولة “الهوية الضيقة” أو “الهوية العضوية” التي تهدف إلى طمس هويات الشعوب، وتنميط عاداتهم وثقافاتهم في قالب ثقافي ومعرفي واحد، بل نجد التجربة الإسلامية الأولى تؤسس “للهوية الجامعة” أو”الهوية الفضفاضة والممتدة“، التي بفضلها تستطيع كل الجماعات المنضوية والمكونة للمجتمع الإسلامي، من الاحتفاظ بخصوصيتها والتعبير عن ذاتها، فالتاريخ يحفظ بين ثناياه كيف احترم وتعايش الإسلام مع كل الهويات التي ارتضى أصحابها طوعا العيش ضمن نسيج المجتمع المسلم، دون أي تمييز أو تفضيل بسبب  اللغة أو الجناس أو الدين. فجعل منهم مواطنين متساوون جميعاً في الحقوق والواجبات.  

فإذا تأملنا الرسالات السماوية السابقة وجدناها تتمركز إما حول الجماعة “بنو إسرائيل” أو حول الشخص “المسيح”، في حين نجد النسق المعرفي القرآني يؤسس لمفهوم “الأسرة الدولية” أو “الزمالة العالمية“. من خلال تأسيسه لمبدأ وخلق التعارف والتعايش بدل الصدام والتقاتل، إذ تقرر في ثقافتنا الإسلامية أن الناس صنفان أخ لك في الدين وهذا له حق الأخوة الدينية، أو نظير لك في الخلق وهذا له حق الأخوة الإنسانية، انطلاقا من قوله تعالى:”يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير”.

فهذه الآيةُ نعتبرها الأساس في التأصيل القرآني لخلق التعايش والتعارف بين بني البشر على اختلاف أديانهم ومذاهبهم وثقافاتهم. جاءت هذه الآية بصيغة النداء “يا أيها الناس” وهو موجه إلى الناس كافة، وهذا المصطلح لا يقبل التجزئة او التخصيص لقوم دون آخر. فالقرآن الكريم خطاب إلى الناس كافة، من غير أن يتحيز إلى أمّة بعينها، ولا أن يفضّل أمّة على أمّة أخرى لأي سبب من الأسباب. إن القرآن الكريم يريد للناس أن ينظروا لأنفسهم على أنهم أسرة إنسانية واحدة على هذه الأرض، مهما اختلفوا في اللون واللسان، ومهما تباعدوا في الأوطان، فينبغي أن يسود بينها ما يسود بين الأسرة الصغيرة من الحب والتعايش والوئام. “قطع الإسلام في قضية الأصل الشرعي بأنه يرجع إلى بنية واحدة تتكون من حقائق خلقية “بيولوجية”، واحدة لا تكون فيها الأعراض الخارجية من الطول و القصر والألوان وما أشبه “[1]. وأن التنوع والتعدد الإنساني حقيقة موضوعية يؤكدها القرآن الكريم، وهي آية من آياته الباهرة “ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين[2].[3]

      فالقرآن الكريم لا ينفي مبدأ التفاضل بين الناس وبين الشعوب والقبائل، وإنما ينفي القيم التي كان الناس آنذاك يتفاضلون على أساسها، كقيم القوم والقبيلة والعشيرة والعرق واللون والجنس. وهذه الآية جاءت تهديما لمثل هذه القيم، وربطت التفاضل بين الناس بشيء مكتسب وهو بالتقوى، فالإسلام على عكس كل التصورات السابقة، لم يربط التفاضل بين الناس بأمور خارجة عن إرادتهم كاللون والجنس والعرق والطائفة والجاه والمال. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: “سئل رسول الله: أي الناس أكرم؟ قال: أكرمهم عند الله أتقاهم”[4].

      فالخطاب القرآني يؤسس لدوائر ثلاث تتكامل لتشكل خطابا عالميا يسع الإنسانية بكاملها، فنجد الدائرة الأولى الخطاب فيها موجه للعائلة والعشيرة كما في قوله تعالى: “وأنذر عشيرتك الأقربين”، في حين نجد الدائرة الثانية يكون الخطاب فيها موجها إلى القوم والوطن كما في قوله تعالى” لتنذر أم القرى ومن حولها”، ودائرة ثالثة أعم وأشمل تسع البشرية جمعاء كما في قوله تعالى: ” وما أرسناك إلا رحمة للعالمين”. فكلما اتسعت دوائر الخطاب إلا واتسعت معها قيم التواصل والتعارف وتحرر هذا الخطاب من عقدة التمركز والتحيز.

وفي هذا التدرج في الدوائر أيضا تجاوز للطائفية والإقليمية إلى الهوية الإنسانية. لأن الإسلام رسالة إلى كل الإنسانية  فتكون بذلك الرؤية القرآنية تنظر إلى اختلاف الناس نظرة تكامل تعمل على توسيع دائرة المشترك الإنساني وتتوحد من خلالها كل عطاءات البشرية في اتجاه إيجابي يخدم مصالح الإنسان كل الإنسان بعيدا عن اللون أو الجنس أو المعتقد. فالناس يتمايزون في اللون واللسان و القبيلة وانه لا فضل لأحدهم على الآخر إلا بالتقوى، “فالاختلاف و التنوع في الرؤية القرآنية ليس عنصرية ولا استغلال ولكنه وحدة وتكامل إنساني إعماري ضروري لوجود الفرد ووجود الجماعة”[5].

ففكر الجابري يرفض الانحياز والانغلاق، والذين يعملون على جعل فكر الجابري فكرا متحيزا لجهة ما أو توجه ما، هم بكل بساطة يخالفون المنطلقات الفكرية التي تأسس عليها فكر الدكتور ويعملون عكس توجهاته، فالجابري كان خصما قويا لكل تحيز فكري أو سياسي أو لغوي، فإنتاجاته المعرفية ومواقفه الشخصية شاهدة على ذلك، فالجابري ومع أنه أمازيغي لم نجده يوما تعصب للسان الأمازيغي، بل نجده نافح عن العربية في مشاريعه الفكرية، ونعلم كم جر عليه موقفه هذا من انتقادات وصلت إلى حد الاتهام. كما أن حرصه رحمه الله على أن يكون متحيزا للمعرفة والفكر والثقافة فقط، جعله يعتذر عن كثير من المناصب والمسؤوليات التي عرضت عليه، ليبقى موقفه حرا لا يتأثر ولا يتغير بالمنصب، كما أن الجابري وهو فاعل سياسي نجده سرعان ما ترك العمل السياسي الحزبي فاختار أرضية الفكر والمعرفة ليقف عليها باعتباره مثقفا ومفكرا ينتج للجميع، إذ الملتزم حزبيا مهما تحرى الموضوعية سينحاز حتما إلى أطروحات ومصالح الحزب. ولعل مشروعه الكبير الذي نادى به ” الكتلة التاريخية” خير مثال على فكره الوحدوي الذي يهدف إلى دمج وجمع كل القوى المجتمعية والحساسيات السياسية في كتلة واحدة، لأنه يؤمن أن تحقيق النهضة يتطلب أن تجتمع كل الجهود المخلصة.


[1] د محسن عبد الحميد “الإسلام والتنمية الاجتماعية” المعهد العالمي للفكر الإسلامي ط1 السنة 1981 ص40

[2] الروم آية 22

[3] كما يؤكد ذلك النبي عليه الصلاة والسلام في قوله: عن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “كلكم بنو آدم وآدم من تراب ولينتهين قوم يفخرون بآبائهم أو ليكونون أهون على الله من الجعلان” رواه أبو بكر البزار في مسنده.

[4] رواه البخاري ومسلم كتاب الفضائل باب فضل يوسف عليه السلام.

[5]د. عبد الحميد أبو سليمان: “الرؤية الكونية الحضارية القرآنية” المعهد العالمي للفكر الإسلامي ط1 السنة 2009

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق