المقالات

الطلبة ولعبة الشطرنج: مدخل إلى المهارات الناعمة(محمد همام)

مدخل إلى المهارات الناعمة حضرت بمعية الأستاذ الرحيم الطور عميد الكلية فعاليات افتتاح مسابقة لعبة الشطرنج/ الإقصائيات، بين طلبة كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية أيت ملول. كانت فرصة لاكتشاف فئة موهوبة من طالباتنا وطلبتنا، من ممارسي اللعبة، وكذا من عشاقها. كما كانت الفرصة لي لأكتب بعض الأفكار حول هذه اللعبة الناعمة التي تصلح بنظري لتدرج ضمن ( الألعاب الاستراتيجية) التي ينبغي أن يتعلمها طلبتنا، لبناء شخصياتهم، وتحسين مستويات ذكاءاتهم العاطفية. يسمون لعبة الشطرنج ب ( لعبة الملوك)؛ إذ تحكي الروايات أن ملوك أوروبا كانوا يمارسونها. وقد ورد في تقرير عن اللعبة أنجزه الموقع الأمريكي الشهيرSomefactsabout.com ، بعنوان: Chess History Facts : From Debatable History Until Its Development ، ورد أن ملوك إنجلترا: هنري الأول، وهنري الثاني، وجون، وريتشارد الأول، قد مارسوها. وكذلك ملك روسيا إيفان الرابع، وملوك إسبانيا: فيليب الثاني، وألفونسو العاشر. وتذكر بعض الروايات أن لعبة الشطرنج كانت اللعبة المفضلة للقائد المسلم والصحابي الجليل خالد بن الوليد؛ لذلك كان قائدا عسكريا ناجحا، ومخططا كبيرا. واعتنى بها كذلك، ممارسة وتطويرا، الهنود والصينيون والفرس. ويسمونها أيضا ( لعبة الأذكياء). وكم أتذكر تلك اللحظات في القرية، في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، عندما كنا نمر بجوار المسجد، أو من جنبات بعض الطرق والمسالك، أو على هامش السوق الأسبوعي… ونصادف بعض الرجال، منهم كهول، ومنهم مقبلون على الشيخوخة، يلعبون لعبة( الضامة). في هذه الفترة كان اسم شاب لم يتجاوز الثانية والعشرين من عمره يملأ الآفاق والإعلام، في الأخبار الرياضية العالمية، اسمه: غاري كاسباروف( ولد سنة 1963)؛ من أصول أدرية( أدريبايجان حاليا، والاتحاد السوفياتي سابقا). فاز ببطولة العالم للشطرنج 1985. وأزاح مواطنه أناطولي كاربوف( ولد سنة 1953) من عرش الشطرنج، بعدما احتكر الألقاب والجوائز والبطولات ما بين 1975و1985. ينحدر غاري كاسباروف من أسرة موسيقية عريقة؛ فقد كان أبوه عازف كمان، ومهندس كهربائي، من أصول يهودية، وأمه مهندسة معدات آلية وأجهزة تحكم عن بعد، من أصول أرمينية. فقد والده وهولم يتجاوز الثمانية من عمره.، وتكلف جده بتربيته. عرف بين أقرانه بذاكرته الحادة، وبذكائه وولعه بالرياضيات، وبالتاريخ، وبإعجابه بالقادة العالميين. فاز ببطولة الاتحاد السوفياتي في الشطرنج للناشئين مرتين، في عمر13و17 سنة. وفاز ببطولة العالم للناشئين سنة 1980 بألمانيا. وفاز بأولمبياد الشطرنج ثماني مرات. وحصل على إحدى عشر أوسكارا . وتصدر ترتيب الاتحاد الدولي للشطرنج من سنة 1986 إلى حين اعتزاله سنة 2005. يصنف ضمن عباقرة العالم، بنسبة ذكاء تبلغ 190. تفرغ، بعد اعتزاله، للعمل الحقوقي، والكتابة، والنضال السياسي. يقود حركة سياسية في روسيا تسمى:( الجبهة المدنية الموحدة)، وهي مكون من مكونات تحالف المعارضة ضد الرئيس الروسي الحالي فلاديمير بوتين، تحت شعار:( روسيا الأخرى). ويعتبره كثير من المهتمين بالشأن السياسي الروسي، أبرز المنافسين لبوتين على الرئاسة، اليوم وغدا. كماتفرغ منافسه البطل أناطولي كاربوف هو الآخر للعمل السياسي. فنستنتج أن هذه اللعبة حقيقة كانت دائما لعبة السياسيين، ولعبة القادة الاجتماعيين، ولعبة الشخصيات المؤثرة. لذلك كان ضابط البحرية الكندية وليام جاي كار Wiliam Guy Carr أكثر قدرة على فهم العالم مابعد الحرب العالمية الثانية، والاتجاه نحو الحروب المتنوعة والمدمرة. فكان أكثر قدرة على فهم أدوات السياسة الدولية، لذلك قدم رؤيته/ تجربته العسكرية، في كتاب اختار له عنوانا موحيا ودالا على النموذج المعرفي الكامن في لعبة الشطرنج؛ لذا سمى كتابه الصادر سنة 1955 ب: أحجار على رقعة الشطرنج Pawns In The Game. وأتبع هذا الكتاب بكتب أخرى ذات قوة تنبئية عالية بعنوان: (الشيطان أمير هذا العالم)، Satan Prince of This Worldو ( الضباب الأحمر فوق أمريكا) The Red Fog Over America . إن لعبة الشطرنج تستبطن نموذجا معرفيا فعالا، يصنع المؤثرين، سلبا وايجابا، بناء وتدميرا. وهي لعبة يكرهها القادة الديكتاتوريون . وقد كتب صديقنا الباحث والمفكر إدريس أوهلال بحثا مميزا بعنوان: لماذا يكره قادة الأمة الشطرنج؟ في الحاجة إلى بناء الذكاء الاستراتيجي في الأمة. نشره مركز ابن غازي للأبحاث والدراسات الإستراتيجية، وهو في الأصل مشروع كتاب قيد الإنجاز. يذكر الدكتور أوهلال في مقدمة بحثه أن موضوع ( لعبة الشطرنج) ونموذجها المعرفي الكامن فيها، موضوع بالغ الحيوية والحساسية؛ ذلك أن لعبة الشطرنج تندرج في إطار ( الألعاب الاستراتيجية)، و( الذكاء الاستراتيجي). فاللعبة تعلمنا كيف ننقذ أنفسنا من الاختناق في الحرائق اليومية، أو في الإنجازات الجزئية( التكتيكية) خارج أي أفق استراتيجي. فالربح التكتيكي دون استراتيجية هو الضجة التي تسبق الهزيمة، بنظر الدكتور أوهلال. والانتصار في لعبة الشطرنج لايحصل بعقلية كسب بيادق الخصم فقط. ويشتغل النموذج المعرفي للعبة الشطرنج في المجالات الأكثر حيوية، والأكثر طلبا للعقلية الاستراتيجية؛ في مجالات: التجارة، والمال، والاقتصاد، والسياسة، والعلاقات الاجتماعية، والمجالات العسكرية، والإعلامية، والأكاديمية، والترفيهية… نحتاج إلى لعبة الشطرنج في حياتنا، بنظر الدكتور أوهلال، لأن الحياة في أصلها لعبة، أو ألعاب، لكنها ألعاب جادة.، خصوصا ألعاب الكبار! فقد ورد في القرآن الكريم:( وماهذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب) العنكبوت/64. واللعبة في ذاتها ساحة للمواجهة لتغيير موازين القوى أو المحافظة عليها. كما قد تكون اللعبة ساحة لتحويل الأنظار عن المواجهة الحقيقية، وتحويلها إلى مجرد منصة لإنتاج استعراضات استهلاكية أقرب لحلقات الجذب الصوفي؛ يغرق فيها الطيبون في أوهامهم وفي مشاعرهم الدافئة. إن تحويل الأنظار في اللعبة يورط الطيبين في نشوة عشق اللعبة، ويحول انخراطهم فيها من فيزياء المواجهة إلى كيمياء العشق. إن التركيز على أن اللعبة ساحة للمواجهة يحول اللعبة إلى فرصة للتحدي وبناء الاسترتيجيا، وبناء الموقف. إن اللعبة تعلمنا أن لا لعب دون فهم واستيعاب قوانين اللعبة، أولا، ثم تحديد الأهداف والاستراتيجيات ثانيا، ثم اكتساب القدرة على اتخاذ القرارات الفعالة والمثلى في الأوقات المناسبة، ثالثا، ثم مواجهة التكتيكات والاستراتيجيات المضادة بأفضل الوسائل، رابعا. إن تعميق البحث، الفكري والمعرفي، في لعبة الشطرنج، من منظور النماذج المعرفية، المركبة والكامنة، في نظام اللعبة، وتحويله إلى مادة بيداغوجية، بمواصفات جامعية، قابلة للتعلم، في إطار تدريس المهارات الناعمة، سيوفر لطلبتنا فرصا لبناء عقليات استراتيجية، قادرة على التخطيط، وعلى المواجهة، وعلى اتخاذ القرارات المناسبة. كما سيحول العملية البيداغوجية إلى ورشة حيوية وملهمة، وسيجنبهم عذابات الخطابات الكلاسيكية الباردة والمقلدة والمأزومة ، حول: Soft Skills، مما نسمع ضجيجه هنا،وهناك!شكرا لنادينا المميز: النادي الرياضي، على هذه المسابقة الذكية.الأربعاء17نونبر2021

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق