المقالات

الدين والغرابة والترجمة(عز العرب لحكيم بناني)

توجد حسب رأيي من بين الطرق الكثيرة طريقتان مختلفتان في التعامل مع قضايا فلسفة الدين: وهي أن نفحص الدين في أفق الحداثة وما بعد الحداثة. هذه هي المقاربة الفلسفية الغربية التي عرفت انطلاقة جديدة مع جان غريش في أفق المحايثة. غير أنه من الجائز أن ننظر إلى الدين من الزاوية الثقافية المرتبطة بمشاكلنا وهي زاوية احترام إرادة الشخص ورغباته الذاتية وميوله الشخصية، انطلاقا من التحديات المعيارية المطروحة، وهو الموضوع الذي قد نعرضه في مناسبة أخرى.من الممكن كذلك في ضوء مثال الترجمة أن نظهر كيف فهم الفلاسفة الغرابة وكيف استضافوها أو عملوا على إقصائها. كان شلايرماخر (1768. 1834) عالما كبيرا في الفيلولوجيا. ترجم كل محاورات أفلاطون إلى الألمانية وكتب لها مقدمات لا تزال حية إلى اليوم. وتعتبر ترجمته من أجود الترجمات وهي تعتبر أن الترجمة ليست ترجمة اللغة الأجنبية، بل ترجمة الثقافة الأجنبية الحاضنة لتلك اللغة. ذلك أن معرفة اللغة الأجنبية تعني معرفة ثقافة أجنبية مختلفة وغريبة عنا. وعليه، تعني معرفة العالم الأجنبي الاحتكاك بغرابة ذلك العالم ونقل الغرابة إلى اللغة الهدف. في مقابل هذا التصور، اعتبر غادامير أن الترجمة تعتبر مثالا نموذجيا للتطبيق المجتهد. أن تترجم كتابا معناه أن تجعله ناطقا بلغة أخرى. تتقاطع هنا الآفاق بين الأصل والمترجم إلى درجة لا نعرف فيها الفرق بين الأصل والترجمة . نحن أمام تصورين مختلفين للترجمة من خلال البحث عن استضافة الغرابة من جهة أو تكريس الألفة بالنص الأجنبي. وقد سعى جان غريش إلى البحث عن التوازن بين الغرابة والتمالك من خلال الستثمار الزوج الأسطوري هستيا (إله السكن) وهرمس (إله السفر والخروج والتواصل)، أملا في إيجاد توازن معتدل يمنعنا من المبالغة في الألفة أو في المغايرة. وهو يعود في هذا الأمر إلى بعض أعلام مدرسة التلقي. كان ياوس قد اتخذ موقفا معتدلا بين هيستيا وهرمس في مقالته “عن التجربة الدينية والجمالية”. Wege des Verstehens, Fink, 1993, 363 . انتقد فكرة الانصهار الكامل للآفاق مع غادامير الذي حاول تبرير مفعول بعض أمهات الكتب في القارئ المعاصر، ما دامت تلك الفكرة تمنعنا من تخيل وجود المغايرة في قلب تجربة الألفة. غير أن ياوس انتقد في المقابل كذلك الفكرة المقابلة لها وهي فكرة وجود “مغايرة مطلقة”، ما دام الآخر المطلق لا يتوفر على قيمة هيرمينوطيقية ممتلئة. ظل ياوس يبحث دون كلل عن الآخر النسبي أو عن المغايرة النسبية، مما سمح له برؤية الذات داخل الآخر وبالتواصل بين الذوات والثقافات. وقد كان غريش قد استفاد من ريكور، حينما ترجم مصطلحات التلقي والفهم والترجمة إلى معاني الاستضافة وحسن الاستقبال. تتحول آداب الضيافة إلى معيار تحديد آداب الترجمة التي تستفيد من الغيرية، دون تجاهل المشاكل التي قد تنشأ عن التوتر بين الضيف والمضيف. وقد ظهر مشكل الجمع بين الغرابة والألفة في الفرق بين الترجمات المختلفة للقرآن. فقد أصدر مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف سنة 2005 تحت عنوان “القرآن الكريم وترجمة معانيه إلى اللغة الألمانية” من إعداد فرانك بوبنهايم ونديم إلياس. ويذكر بوبزين (مصطلح الألوهية في القرآن الكريم وأثره على المستويين القيمي والعقائدي في المسيحية والإسلام. مقاربة إشكالات ترجمة المصطلح القرآني. (أي مستقبل للبحث في العلوم الإسلامية، 2019 صص. 199. 205) أن المترجمين كانا يحتفظان باسم الجلالة الله كما هو مرسوم في العربية أثناء نقله إلى اللسان الألماني. سورة العنكبوت، الآية 61: “ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله فأنى يوفكون.” على النقيض من ذلك، قام بوبزين بنقل المفردة العربية “الله” إلى العبارة الألمانية « der eine Gott » الإله الواحد. وقد سار مترجمون على غرار نديم إلياس وبوبنهايم بينما سار آخرون على غرار بوبزين مثل مصطفى ماهر وأحمد ميل اد كريمي. إحدى صعوبات ترجمة المعجم الديني هو الشعور بغرابة صور الألوهية سواء في الإسلام أو المسيحية. يقول السيد الشاهد في كتاب “أوروبا ومسلموه” ص. إن مشكلة التوحيد هي مشكلة فهم معنى كلمة الله في الإسلام من جهة أولى وفهم معناها من جهة ثانية في المسيحية، ويعتبر مشكل التوحيد من أصعب الخلافات بين المسيحية والإسلام. ذلك أن عقيدة التثليث تشكل نقيضا مباشرا لعقيدة التوحيد في الإسلام، على الأقل من حيث الظاهر. ذلك أن الإسلام يتمسك بكلمة الله على نحو لا يصل إلى درجة الإقرار بالتجسد. تجسد الله في الكلمة أولا كما هو في الإسلام ثم استوى نشرا سويا كما هو في المسيحية، وهكذا توجد خمس عقائد تمنع أي تواصل بين المسيحية والإسلام: الثالوث والأقانيم الثلاث، ابن الله وأم الله، كلمة الله والروح القدس والخطيئة الأصلية وصلب المسيح. غير أننا خلف هذه القضايا الإشكالية المعروفة تطرح قضايا أكثر دقة وتتطلب معرفة فيلولوجية دقيقة في النصوص القديمة وتأويل العقائد الأساسية بناء على هذه المعطيات، اعتمادا على خصوصية اللغة المسيحية، مثل مصطلحات القضاء والقدر والوحي والإلهام والميثاق والكنيسة وسر التجسد والملكية والحب. ولا يجوز لنا أن نبحث عن المقابلات الإسلامية للمصطلحات المسيحية داخل المعاجم اللغوية. ذلك أنه يوجد مجال تداولي مسيحي يختلف عن المجال التداولي الإسلامي. وهذا ما تعنيه نوسبوم كذلك بالنسبية الثقافية التي تمنع ترجمة المعجم المسيحي إلى المعجم الإسلامي، وخير مثال على ذلك مصطلحات الوحي والإلهام. وقد تركت كثيرا من المصطلحات اليونانية على حالها في كتاب “هشاشة الخيرية” دون ترجمتها إلى اللغة الإنجليزية . وهذا ما يحتاج إلى مقاربة جديدة وإلى المختصين في فقه اللغة والفيلولوجيا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق