المقالات

الخطاب الرقمي والعلوم الإنسانية (إدريس عبد النور)

مقدمة:

 فتحت الوسائط الالكترونیة  كل العوالم على بعضھا، فأنتجت مستھلكیھا بغرض دمجھم في الزمن الالكتروني دون السماح لھم، بعد ذلك، من الانفكاك من كل الحوامل الالكترونیة التي مكنتھا أن تُسِّوق لشخصیة الفرد والمجتمع، إن أي قراءة نقدية داخل جسد الثقافة الرقمية، تعد لحظة تأمل في نمط عيش المرحلة ، خاصة وهي تبدو غير قادرة على الانفكاك من الأدوات التي تُلخص هذا النمط الفكري والحضاري المنتشي بأدواته.

وإذ نرصد بعض إرهاصات الفجوة الرقمية وهي تتجلى في العمق الرمزي العربي، وتطرح  للمقاربة واقع المجتمع العربي وهو يواجه التفكير في ظل مشهد معلوماتي يتطور بسرعة أدوات تفكيره،  لا بد من قياس عمق التشكل الرقمي في بنية التفكير العربية والإنسانية وذلك بالاشتغال على أهم آلية يمكن أن نلمس فيها عمق التغير المجتمعي وخاصة المستويات السيكو- سوسيولوجية المتمنعة على التغيُّر بشكل آلي

  1.   التقانة والثقافة : الوعي بالكتابة في الخطاب الرقمي

شهدت الحياة التكنولوجية مع بداية الألفية الثالثة تحولات عميقة، انتقلت فيها التصورات من الواقعي إلى الافتراضي، حيث أضحت الظاهرة التكنولوجية متمفصلة مع النسق الافتراضي، فتحول العالم إلى قرية صغيرة بل إلى حي صغير.

إن الولوج إلى المنظومة الرقمية الافتراضية يتطلب التسلح بالمعرفة التكنولوجية وخاصة الانخراط في المقاربة التواصلية لأن غالبية الوسائط والتقنيات الرقمية تعمل على إشراك كل من منتج النص الرقمي ومتلقيه في إنتاجها.

لقد أتاح الأنترنت لمستعمليه مساحة واسعة للتعبير والتواصل وسرعة تصريف المعلومة بما هي حقائق للتداول العام تؤمن المعلومة الطرية والقابلة للمعيارية الفورية، يستطيع معها المتلقي صياغة مقاربته الخاصة وهو يتوجه نحو ثوابثه ومتغيراته وتصريفها على شكل تفاعلات إيجابية أوسلبية.

 إن الخطاب الرقمي يفرض منطقه وأشكال تجليه بعيدا عن الاستبداد الفكري وغطرسة الورق، فالأسئلة التي فجرها هذا الخطاب الآنترنيتي، مقلقة ومشاكسة لنمط التفكير السابق نظرا لاكتساح هذا النسيج العنكبوتي كل المجالات التي يستطيع داخلها ابتلاع كل الأطراف والهوامش ويتمركز في خطاب دوائر لا يحترم إلا دائرة التلقي.

إن اتساع الإسناد الالكتروني للتلقي أثّر ويؤثر بشكل كبير في بنية الخطاب الانساني ، فالبنيات التفاعلية من: ( روابط، ميديا، صور، ألوان، مؤثرات، فلاشات…..) أصبحت  جزء أساسيا لا يستطيع النص الرقمي أن يتجلى دونها، إلا فيما إذا استدمج هذه الوسائط في بنيته الأساسية، إن النص الرقمي يهجس بالتغيير ولو لم يطرح أسئلته المتجددة على الواقع، لأن التصور الجديد للعالم يُنتج أدوات تفكيره بعيدا عن الشخص الواقعي من حيث أن هذه الأدوات تتجاوز إمكانية الوسيط التكنولوجي إلى التعبير عن أشكال التفكير .

فالوسائط الالكترونية فتحت كل العوالم على بعضها فأنتجت مستهلكيها بغرض دمجهم في الزمن الالكتروني دون السماح لهم، بعد ذلك، من الانفكاك من كل الحوامل الالكترونية التي يمكنها أن تُسوِّق لشخصية الفرد والمجتمع.

إن الثقافة التكنولوجية تضع هامش حرية الأفراد كمبدأ أساسي للتشكل دون أن تعني بصدق المفهوم الكلاسيكي للحرية، فالمعلومات وهي تزحف متراكمة نحو وعي الأفراد لا تستطيع أن تحافظ على خصوصيات المجتمع، ولا على تدبير تواجدها المجتمعي المتسارع والضيق في نفس الآن، إن الانصهار الثقافي وارد في ظل الزمن الالكتروني الذي غير من معادلة الإنسان صانع المعرفة ومنتجها ومستهلكها، إلى معادلة مفتوحة تؤسس للمعرفة الرقمية وتنتج الكائن الالكتروني المنفعل بالمعرفة.

أما الأسئلة العميقة التي يتيحها البعد التكنولوجي للمعرفة داخل البعد الإنساني  فتنتج  تصورا آليا لمسألة التغيير الاجتماعي والذي أصبح في حكم العادي  داخل الزمن الالكتروني، حيث لا يوجد شيء ثابت ماعدا التغيير ذاته كما نادى بذلك هيروقليطس Heraclitus في الزمن اليوناني للمعرفة، إن التغير المستمر في تكنولوجيا الاتصال والمعلومات وهي تتميز بترسيخ تأثيراتها على الفرد والمجتمع نظرا لماديتها المرئية، لا تترك نفس الأثر على التغير الاجتماعي بما هو مرتبط تفاعليا بالنتائج التي يمكن رصدها وملاحظتها عند استقبال التغيير في بنية الفرد والمجتمع.

  • علم النفس الرقمي

 اقتحم الأنترنت حياة الإنسان واستولى على مشاعره العميقة التي تمثل الخريطة النفسية للكائن، فكانت لغة القلب هي أولى العواطف التي استسلمت أمام التكنولوجيا، فغدا الأنترنت ليس ذلك الحامل للمعلومة فقط كما بدت أولى أهداف تواجده، بل غدا بديلا افتراضيا لحياة جهد الإنسان منذ العصور على عكس أفقها الواقعي، فبقدر ما يتمثل الأنترنت كإمكانية تواصلية ووسيلة نقل لمشاعر الإنسان تمثلت بالضرورة نمط عيش ووسيلة مفعمة بالنشاط الإنساني.

إن الأنترنوت وهو يحس بالانتماء إلى مجتمعه الافتراضي لا يستغني عن الاستجابة الواقعية لمجتمعه الرقمي، ونأخذ مثالا عن ذلك المجتمع الفايسبوكي وتوازن الشخصية الفايسبوكية التي هزت المجتمعات العربية.

فالكائن الفايسبوكي قابل للدراسة النفسية من حيث قابليته للدراسة وتمكينه الدارس من رصد طبيعته المفتوحة وسلوكه الشخصي داخل مجتمع الأنترنت، الذي أصبح يتجلى بعيدا عن المجتمع الواقعي، فالفرد الفايسبوكي مثلا له القدرة على التواصل مع مجموعة مختارة سلفا عبر الشات chat ويتقاسم معهم كل حقيقة وكذلك العديد من المعلومات منها الشخصي ومنها العام.

  • علم الاجتماع الرقمي والقيم الإنسانية

لاشك أن العلاقة بين التكنولوجيا والقيم تمكن الباحث من رصدها فيما يمكن تسميته “بأخلقة المعلومة” “information ethic” وهو مجال يرصد المسؤولية السوسيولوجية لثورة المعلومات وخاصة ما يقع من تغيير في القيم : قيم الحرية والديموقراطية والعدالة والمعرفة والسعادة …

ويمكن في هذا الإطار أن نسوق ما قاله الباحث جيمس مور  James H. Moor سنة 1985 وهو يتطرق إلى أخلاق الحاسوب في الدورية الفرنسية journal Metophilosophy حيث ناقش محللا فيه التأثير الاجتماعي لتقنية المعلومات، كما حلل هذه التقنية ضمن الاستعمال الأخلاقي الجديد، إذ يقول إن تقنية المعلومات قوية جدا لأنها مرنة جدا، بمعنى أن قوتها في مرونتها، ومنطقيا توفر هذه المرونة قدرة على التكييف لتنفيذ أي مهمة مطلوبة.

 إن تقنية المعلومات تعتبر أداة التغيير الاجتماعي، حيث أنها تندرج ضمن ثالث الثورات الأساسية التي مر منها التاريخ البشري والتي غيرت الخريطة النفسية والاجتماعية للإنسان، فقد عُرِّفت الأولى بالثورة الزراعية والثانية بالثورة الصناعية بينما توسم الثورة الثالثة بالثورة المعلوماتية أي ثورة الاتصالات التي مكنت الإنسان من تشكيل قناعات جديدة مشمولة بطرق جديدة للتفكير من مثل : العشق الالكتروني، التعليم الافتراضي، التجارة الإلكترونية، والديموقراطية الإلكترونية والجريمة الإلكترونية والجهاد الإلكتروني والمقاومة الإلكترونية ..

خاتمة:

إن تكنولوجيا المعلومات وهي تحدث ثورة في ميدان المعلومة لا تستطيع أن تؤثر سوسيولوجيا في الشعوب دون أن تكون لهذه الأخيرة القابلية النفسية والسوسيولوجية للتغيير، فلا نستطيع مع هذه المعادلة وصف الإنسان كضحية للتكنولوجيا وبالتالي للخطاب الرقمي حيث يستدمج المستهلك التقنية من ضمن آلياته الشيء الذي يجعل هذا الخطاب يشرعن نتائجه ويؤثر بها على القرار البشري.

إن الأسئلة العميقة التي طرحها استعمال التكنولوجيا كأداة أساسية بالثقافة الرقمية تتجه بالأساس إلى الأسئلة الأخلاقية التي تؤثر في معادلة السلطة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق