المقالات

الآثار النفس مرضية للحجر الصحي (الجزء الرابع) تأليف: إ.منجين وآخرون. ترجمة: عياد بوكوراين

هل يمكن أن تكون الجائحة والحجر الصحي مؤشرين على اضطراب التوتر ما بعد الصدمة؟

            لقد لاحظ العديد من المؤلفين، خلال الأوبئة الكبرى المنصرمة وبُعَيْدَ الحجر الصحي، بروز أعراض التوتر ما بعد الصدمة؛ فلقد أفادت دراسة حول وباء انفلونزا الخنازير (H1N1) انتشار 28% من أعراض التوتر ما بعد الصدمة لدى أفراد محجورين صحيا مقابل 7% من الأشخاص الذي لم يكونوا محجورين صحيا. ولقد لاحظ “هاوريلوك وآخرون” 29%من الأعراض المعتدلة للقلق ما بعد الصدمة بعد رفع الحجر الصحي المرتبط “بالسارس”. ولقد تمت ملاحظة أعراض القلق ما بعد الصدمة لدى هيئة المستشفيات المحجورين صحيا بعد مُضي ثلاث سنوات على وباء “السارس” بالصين. فبالنسبة لهاتين الدراستين فإن نتيجة تساوي أو أكبر من 30 على مقياس أثر الأحداث المعدل يمكن اعتبارها كمستوى معتدل إلى مرتفع لأعراض التوتر ما بعد الصدمة.

         لقد أشار “وانغ وآخرون”، في بداية وباء “كوفيد 19” بالصين، إلى التأثير المعتدل إلى المرتفع للأزمة الصحية لدى مجموع الساكنة والتي كانت في حالة حجر صحي بنسبة تقدر 76% من مجموع المشاركين (أي ما يعادل نتيجة ≥ 24 على مقياس أثر الأحداث المعدل). ومع ذلك، فإنهم لم يأخذوا بعين الاعتبار حجم الصدمة ولم يميزوا بين أثر الحجر الصحي وأثر الأزمة في مجملها. وخلال نفس هذه الفترة، فإن نسبة 4.6% من المشاركين ضمن عينة تتكون من 2032 مشاركا من مجموم الساكنة العامة كان يبدو عليها مستوى مرتفع من أعراض التوتر ما بعد الصدمة (نتيجة ≥ 33 على مقياس لائحة اضطراب التوتر ما بعد الصدمة-5 “PCL-5”). ولقد ارتبط التعرض لخطر مرتفع من العدوى بأعراض جد هامة للتوتر ما بعد الصدمة ضمن هذه الساكنة (بالفعل إذا كان ذو صلة بالتواجد أو العيش في “ووهان” أو بالاتصال مع شخص من “ووهان” خلال فترة وباء “كوفيد 19”).

 ويجب أن تظل الخلاصات حول اضطراب التوتر ما بعد الصدمة  وعقب الحجر الصحي حذرة وذلك لعدة أسباب:

في البداية، هل يمكننا اعتبار حدث الحجر الصحي في حد ذاته حدثا من المحتمل أن يكون صادما؟ إذا تمسكنا بالتعريف الذي يقدمه الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (الطبعة الخامسة) فإن الحجر الصحي لا يشكل، بالنسبة للفرد، تعرضا لخطر الموت أو الإصابة بجروح بليغة أو تعنيفات جنسية، وبالتالي قد لا يمكن معرفة إذا ما كان سيشكل حدثا محتملا للصدمة. وإذا كان البحث، في فترات متباعدة، عن أعراض التوتر ما بعد الصدمة فسوف يصبح لزاما التدقيق في مكونات الحدث في مصدر إعادة انبعاثه أو تجنبه أو الشعور بالذنب. حقيقة، هل يتعلق الأمر بالعزلة؟ بالاضطرار؟ بخطر العدوى؟ بفعل التواجد في بيئة تهدد السلامة؟ لحد الآن، لم تجر أية دراسة تتناول الأثر المباشر للمحيط العائلي على المعاناة النفسية التي يتم الإحساس بها. ومع ذلك، قد يكون للأحداث المحتملة للصدمة أن تحدث داخل وحدات عائلية غير مستقرة ويهيمن عليها احتكاك غير معهود. وقد يمكن أن يكون العنف بين الأزواج (انظر الفقرة الخاصة بهذا الموضوع) مصدرا لحالة التوتر ما بعد الصدمة.

ثم بعد ذلك وبالنسبة للأوبة المنصرمة، فلقد تم إجراء دراسات معظمها شملت مجموعات من هيئة الصحة باعتبارهم يتعرضون لتوتر مهني مهم (ارتباطا بمتلازمة التوتر ما بعد الصدمة فضلا على وجود فريب مصاب بالفيروس). وبالتالي فلقد يلتبس دور الحجر الصحي في نشأة اضطراب التوتر ما بعد الصدمة لدى هيئة الصحة بعوامل أخرى. وبالفعل، فإن الطاقم المهني في حالة الحجر الصحي هو الذي يتعرض لخطر كبير للعدوى. ولقد يتم حجرهم أحيانا مباشرة بالمستشفيات مما يقتضي فراق العائلة المقترن بهلع عدم رؤية الأقارب، وأما إذا ما تم الحجر بمساكنهم فإن هلع نقل العدوى لذويهم يظل حاضرا بقوة. ويمكن للعديد من العوامل ان تساهم في حدوث إضرابات التوتر ما بعد الصدمة مما قد يجعل التعرض لخطر الموت أقرب من الحجر الصحي نفسه. ولنلاحظ، أيضا، أن معظم الدراسات قد اعتمدت “أثر مقياس الأحداث المعدل” الذي لا يكفي لتشخيص اضطراب التوتر ما بعد الصدمة.

وفي الختام، وبما أن الحجر الصحي لا زال مستمرا بالنسبة لمعظم سكان الأرض، فإن الدراسات التي أنجزت أو قيد الإنجاز خلال رفع الحجر الصحي الفوري لا تعكس اضطراب التوتر ما بعد الصدمة ولكن حالة من التوتر الحاد؛ كما أنها، أيضا، تحول دون استنتاج الآثار على المدى البعيد. ومع ذلك، فقد يستوجب البعد الجماعي والامتداد مع مرور الوقت لإكراه قوي وما يصاحبه من فقدان جزء كبير من الساكنة للموارد استدعاء مصالح الصحة العقلية أن تكون يقظة، على مدى شهور، بشأن اضطراب التوتر ما بعد الصدمة.

خطر الاكتئاب أو الانتحار: الفوري أو المتأخر لدى ساكنة هشة ولدى الساكنة عموما.

         تشكل الاضطرابات الإكتئابية جزءا من العديد من الآثار النفسية لجائحة أو حجر صحي مرتبط بخطر العدوى. ولقد أصبحت الجائحة تمثل بصورة أكيدة خطرا حيويا يهدد الفرد نفسه أو أقاربه وأن الحجر الصحي يتطلب منه استدعاء موارده حتى يتكيف مع مجتمع يرى أن معظم معالمه قد تمت إعادة هيكلتها. وعلى الرغم من أن الحجر الصحي والتباعد الاجتماعي يرادفان الوقاية لذات الفرد أو لغيره إلا انهما، أيضا، حاملتان للعزلة والإحساس بالعجز بل وحتى الحذر والإقصاء. وعندما يدوم الحجر الصحي، فإن الاعتزاز بالدور الوقائي المرتبط بحملة التضامن باحترام القواعد الصحية لن يكون كافيا لتعويض التوتر المرتبط بهذا الوضع. وينضاف إلى المشاعر الأخرى التي تم وصفها سابقا الإحساس بالضائقة المالية وبفقد أعز الأقارب وبالملل وبحقيقة فقدان المكانة المهنية والاجتماعية. ويمكن أن يقترن بسبب محدودية الولوج إلى العلاجات وتأجيل العمليات غير المستعجلة والألم وظروف جسدية أخرى. فلقد توصلت دراسة، أُجريت شهرين بعد بداية جائحة “كوفيد 19” بالصين، إلى أن نسبة الاكتئاب لدى عينة تتألف من 7236 متطوع بلغت 31.2%.  وتم تقدير هذه النسبة، “بتورنتو” سنة 2003، بِـ 31.2% من عينة تتألف من 129 متطوعا تم استجوابهم نهاية الحجر الصحي لوباء “السارس”. وبالتالي فإن الاكتئاب يمكنه أن يصيب الأفراد الأكثر هشاشة ولكن أيضا أولئك الذين ليس لديهم سوابق نفسية.

         ويمكن، أيضا، أن يتأخر خطر الاكتئاب: كان يبدو الاكتئاب على 15.6% من الناجحين من “السارس” بالصين بعد مُضِي (30) ثلاثين شهرا على الوباء. وسوف يكون، أيضا، مقدمو العلاج، الأصغر سنا أو في وضعية نهاية الخدمة، أكثر عرضة لخطر الاكتئاب بمجرد أن يزول الوباء.

         أما بالنسبة لخطر الانتحار فإن جميع عوامل خطر الاكتئاب التي ورد ذكرها في هذه الفقرة هي أيضا عوامل خطر الانتحار. ويزداد الخطر لدى الأفراد الذين يعانون من اضطرابات نفسية والذين تتدنى متابعة حالتهم بسبب التدبير الصحية؛ وهنا تكمن أهمية مداومة التواصل مع مرضانا: إما بالهاتف أو بالتشخيص عن بعد أو حضوريا في الحالات المستعجلة. وفي أدبيات هذا الموضوع لا تكاد تجد سوى دراسات قليلة ولكن الوقاية من خطر الانتحار تظل ضرورية: بين ساكنة هشة نفسيا وبين عموم الساكنة. وعلى سبيل المثال، فلقد كشفت دراسة صينية، سنة 2003، عن ارتفاع مفاجئ للانتحار في علاقته “بالسارس” لدى الأشخاص البالغين 65 سنة فما فوق.

         ولقد لاحظت مستعجلات المستشفيات، خلال الأيام الأولى للتغطية الإعلامية حول الوباء بالصين، انخفاض الزيارات لأسباب نفسية ولا سيما انخفاض الأفعال والأزمات الانتحارية. وقد عرف هذا الانخفاض خلال الفترة الممتدة من 9 إلى 23 مارس حدا أقصى: ففي المركز الاستشفائي “بليل” فلقد تم تقسيم الذين عبروا المستعجلات ممن كانت لديهم أعراض جسدية، خلال هذه الفترة، على ثلاثة مقارنة مع نفس الفترة بالنسبة للسنوات 2017 و2018 و2019. ولقد تمت ملاحظة هذه الظاهرة بعينها خلال الأسبوعين الأخيرين لشهر نونبر من سنة 2015 إثر هجمات “الباتاكلون” والمصاطب.

         وبشكل مواز فإن “شبكة حَذَرْ” تتساءل عن الحركات القليلة العدد ولكنها الأكثر خطرا. ففي “مونبوليي” أو “بريست” أو “رووان” أو “ستراسبورغ” أو “ليون” أو “ليل” لاحظت فرق الطب النفسي الاستشاري، لدى الراشدين أو لدى المراهقين، ارتفاع فترات الإقامة الاستشفائية بمصلحة الجراحة والطب الباطني بسبب تناول مواد حِمْضِية أو قاعِدِية أو محاولة الانتحار شنقا أو قفزا من النافذة. ومع ذلك قد تكون هذه الانطباعات خداعة لعدة أسباب:

حيث أن الحركات في المجمل كانت قلية إلا أن ملاحظتها بالمستشفى كانت واضحة الخطورة.

إذا كان، بشكل متناقض، بعض الأشخاص الغير محصنين جد مشمولون بالرعاية في ظل هذا الحجر الصحي فإن بعض الحركات المميتة قد انقطعت (مرضى مصابون بشكل بليغ ولكن لا يزالون أحياء).

ومن النحية النوعية، قد نود الإشارة إلى وضعيتين يبدو لنا متابعتهما عن كتب:

تلك المرتبطة بالطلبة المحجورين صحيا في أماكن جد صغيرة وأقل راحة، وهم الأكثر عزلة والأكثر انفصالا عن عاطفة الأقارب، حيث تمت ملاحظة اضطرابات جسدية وللأسف وفيات عن طريق الانتحار.

وتلك المتصلة بالمعتقلين حديثا أو مَنْ تم إطلاق سراحهم، أحيانا بشكل سريع، جراء اعتقال قانوني أو حجر اجتماعي؛ والذين يقضون بقسوة معظم أوقاتهم دون رفقة.

لقد تم وصف العديد من حالات محاولات الانتحار عبر النوافذ، بفرنسا، منذ أبريل. وختاما، فإن الأطباء الشرعيين لجنوب “باد كاليه” و”نورماندي” يشيرون إلى قلة انتشال جثت المنتحرين مخافة العثور على جثت أشخاص في عزلة تامة…لاحقا. 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق