المقالات

أضواء على النقابات المهنية في حضارة الإسلام(مختار خواجة)_3_

مَأسسة أموية
ويتجلى ذلك في كون “معظم التفاصيل عن مهام العريف ترجع إلى عهد معاوية فقط؛ فقد كان كل عريف يختص بعرافة ما، وكان مسؤولا عن توزيع العطاء (= المخصصات المالية) بين أفراده، ومن ثم كان عليه أن يحتفظ بسجل (ديوان) فيه أسماؤهم وعائلاتهم. وأكثر من ذلك كان مسؤولا عن الأمن في نطاق عِرافته، بجانب مسؤولياته عن جمع أموال الدعم والتحكيم في المنازعات بين أفراد ‘العرافة‘”؛ وفقا لكتاب ‘موجز دائرة المعارف الإسلامية‘.

ويؤكد المصدر ذاته أنه في العهد الأموي كان “من بين الوظائف المدنية التي يحمل صاحبها اسم ‘العريف‘.. في القرنين الأولين للهجرة (= السابع والثامن للميلاد).. موظف مخصوص مسؤول عن مصالح الأيتام والأطفال غير الشرعيين، وكذلك نقرأ عن عريف للذميين”.

ومن الواضح أن المقصود هنا ما ذكره ابن عساكر الدمشقي (ت 571هـ/1175م) -في ‘تاريخ بغداد‘- من أن قاضي مصر للأمويين عبد الرحمن بن معاوية بن حُدَيْج (ت 95هـ/715م) كان “أولَ قاضٍ نظر في أموال اليتامى وضمَّن عريفَ كل قوم أموال يتامى تلك القبيلة، وكتب بذلك كتابا فكان عنده.. وشهرها وأشهد فيها، فجرى الأمر على ذلك” بدءا من لحظة تعيينه قاضيا سنة 86هـ/706م!!

وفي المجال الأدبي أيضا ظهر “عريف الشعراء” في آخر العهد الأموي أيام خلافة مروان بن محمد (ت 132هـ/751م)؛ فقد كان له “عريف على الشعراء يَخْبُر (= يختبر) أشعارَهم فيُحسِّن لمُحْسنهم، ويرعَى مسيئَهم وينحّي لهم فاسدَه”؛ وفقا لابن عساكر في ‘تاريخ دمشق‘.

ومن الواضح أن هذا “العريف” كانت مسؤولياته تتطابق مع جوهر صلاحيات “النقيب” في أي جماعة وظيفية متخصصة، من صيانة مكانة الصنعة، ومكافأة المتميزين في منتجاتها، ورفع مستوى الضعفاء من منتسبيها، وتحقيق مستوى مقبول من التضامن والتكافل بينهم، وتمثيلهم جماعيا أمام السلطة وأجهزتها الرسمية.

ولا يبعد أن تكون نشأت لكُتّاب النثر الفني الأدبي نقابة بجانب “نقابة الشعراء”؛ فقد جاء في الرسالة التي وضعها عميد كتّاب العربية عبد الحميد بن يحيى الكاتب (ت 132هـ/751م) لزملائه الكتّاب لتكون دستورهم في مهنهتم التي صارت “صناعة” آنذاك:

“وتحابُّوا في الله عز وجل في صناعتكم، وتواصوا عليها فإنها شيم أهل الفضل والنبل من سلفكم، وإن نبا الزمانُ برجل منكم فاعطفوا عليه وواسوه حتى يرجع إليه حالُه، فإن أقعد الكِبَرُ أحدَكم عن مَكْسبِه ولقاء إخوانه فزوروه وعظموه وشاوروه، واستظهروا (= استعينوا) بفضل تجربته وقديم معرفته”؛ وفقا لبهاء الدين البغدادي (ت 562هـ/1167م) في ‘التذكرة الحمدونية‘.

ولذا رأى مؤرخ الآداب العربية العلامة شوقي ضيف (ت 1426هـ/2005م) -في ‘تاريخ الأدب العربي‘- أن هذا النص دليل على أن عبد الحميد “يطلب إلى الكتَّاب أن يؤلفوا بينهم ما يشبه النقابة في عصرنا، فقد حضهم على الأخذ بيد من ينبو به الزمان منهم ومساعدته حتى يعود إلى ما كان عليه من الرَّفَهِ في العيش”.

وهو استنتاج يأخذ وجاهتَه من أن عصر عبد الحميد -الذي كان كبير كتّاب آخر خلفاء بني أمية- هو الذي تأسست فيه “نقابة الشعراء”، فلا يبعد عليه أن يسعى لزملائه الكتّاب في نظيرة لها تجمعهم وترعى مصالحهم. وعلى كل؛ فإن نقابة الكتّاب رأت النور فعلا في العصور اللاحقة تحت عنوان: “نقابة المتعمِّمين” أي حمَلَة الأقلام من كتّاب الإدارات الحكومية، وكان لهم رئيس يسمَّى “نقيب المتعممين” وفقا لما نجده في نصوص متعددة -عن أخبار هذه الوظيفة ومَنْ تولَّوها من النقباء- في مصادر تاريخ العصر المملوكي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق