المقالات

أسئلة حول قضية المساوة في الميراث بين المرأة و الرجل؟(الزواوي بغوره)

لا يعنيني في هذه المقالة إن كان الدين الإسلامي يقول بالمساواة في الميراث بين الرجل و المرأة أم يقول بالتفاوت وفقا لصريح نصوصه المقدسة(القرآن الكريم و السنة النبوية)، و إنما الذي يعنيني هو مناقشة التصورات و الحجج التي يقدمها بعض المسلمين في دفاعهم على ما يعتقدون أنه (الدين الحق)، و غيره (فكر باطل). و لأنني لا أميل إلى السجال، و اعتبره نهجا عقيما، فإنني سأكتفي بطرح بعض الأسئلة على ما جاء في القسم الأول من مقالة: المساواة في الميراث بين دعوى الاجتهاد و حقيقة الاعتراض للكاتب (محمد رفيع).

أولا: ربط الكاتب فكرة المساواة بين الرجل و المرأة التي جاءت بها المواثيق الدولية بالضغوط الدولية، و ليس بوصفها قيمًا إنسانية يمكن للفكر الإسلامي أن يتمعَّن فيها، أو أن يستلهمها، أو أن يُثريها، كما ربطها بالسياق السياسي للنظم العربية التي تعاني من:( الضعف، و التخلف، و عدم الديمقراطية). و السؤال الذي يطرح نفسه هو: لو افترضنا، جدلاً، أن هذه  الأنظمة (قوية، و متقدمة، و ديمقراطية) فهل يعني هذا أن مسألة المساواة بين الرجل و المرأة غير مطروحة عليها، أم أنه يحق لها بحكم قوتها و تقدمها و ديمقراطيتها أن تلزم المرأة بمرتبة دنيا، أو بمنزلة التفاوت، بحكم أن هذه الأنظمة لا تخضع للضغط الخارجي؟ و بالتالي يصبح من علامات  القوة و التقدم و الديمقراطية إنزال المرأة منزلة دون الرجل؟

ثانيا: من الناحية الواقعية ألا تتحفظ النظم العربية(الضعيفة، المتخلفة، غير الديمقراطية) على القرارات الدولية؟ لنذكِّر بسجل حقوق الإنسان في هذه النظم، ومنها ما تعلق بحرية الرأي، فهل تمتثل هذه النظم للضغوط الدولية؟ ثم أليس غالبية النظم العربية تحتكم في أحوالها الشخصية إلى الشريعة الإسلامية، و ترفض كل التعليقات و الضغوط الممارسة من قبل المجتمع العالمي سواء جاء من منظمات دولية تابعة للأمم المتحدة أم من منظمات غربية تابعة للمجتمع المدني. و لعل الحالة الاستثنائية هي الجمهورية التونسية، و بالتالي هل يحق لنا إجراء هذا التعميم الذي يجريه الكاتب؟ ألا يُراد بهذا التعميم التهويل؟

ثالثا: يتحدث الكاتب عن شيء يسميه (المساواة الميكانيكية)، و مع أننا لا ندري ما هي هذه المساواة؟ لأن معنى المساواة هو المساواة أمام القانون لكل المواطنين، أي أن لهم الحقوق و الواجبات نفسها، و ذلك بناء على المبدأ النظري القائل: (يولد جميع الناس و يعيشون أحرارًا متساوين في الحقوق). و بما أننا في موضوع الميراث فلعله يشير إلى النسب المتساوية في النصيب أو الحصة، أي تقسيم الميراث بالتساوي بين الأطراف أو الأفراد المعنيين، فلماذا يسميها (ميكانيكية)، و هي آلية حسابية تستعمل في الميراث و غيره، و تشكل وجهًا من وجوه العدل، إن لم يكن الوجه التام للعدل؟ فهل هنالك ما هو أفضل من المساواة إذا توافرت الشروط اللازمة؟

رابعا: يرفض الكاتب (المساواة الميكانيكية)، بحجة أن (ثروة الأوطان و الأمم) لا توزع بالتساوي، و يطالب بتوزيعها أولا قبل الإقدام على المطالبة بالمساواة بين الرجل و المرأة. و السؤال الذي يطرح نفسه هو: إذا كانت (الثروة الوطنية) موزعة بشكل متفاوت، فهل يجب أن يُوزَّع الميراث توزيعا متفاوتا؟ فهل يعني هذا أن نعمل على تعميم الظلم، أم يجب علينا أن نعمل من أجل إقامة العدل و المساواة؟ و هل يتوجب علينا القياس على حالات العدل أم على حالات الظلم؟ طبعا من الممكن أن نقيس على حالات الظلم، و لكن من أجل نقضها  و ليس من أجل تبنيها كما يستشف من منطوق صاحب النص.

خامسا: يعتبر الكاتب أن القول بالمساوة إنما هو مطلب المنتصرين للنزعة الجنسية أو ما يسمى بـ( الجندر أو الجنوسة). و لا شك أن هذه الحركة النسوية تطالب بالمساواة المطلقة بين الرجال و النساء، و لكننا نعلم جميعا، أن مبدأ المساواة سابق على هذه النزعة. و سواء ارتبطت المساواة بهذه النزعة أم لم ترتبط، فإن مطلب المساواة قائم، و يفترض أن ينتصر له كل محب للعدل و المساواة. و إذا افترضنا جدلاً، أن هذا المطلب ترفعه هذه النزعة، فما المانع من اعتماده إذا كان حقًّا؟ أم أنه يتوجب علينا أن نرفضه  حتى و إن كان حقًّا مشروعا مادام قد جاء من نزعات نعترض عليها؟ أليس يتوجب على المنصف أن يقوم بعمليات الفرز اللاَّزمة، و أن لا يخلط الأمور؟

سادسا: يحاجج الكاتب بأن المساواة لا ترفع إلاَّ في وجه الشريعة الإسلامية، و لا ترفع ضد الشرائع الأخرى، ومنها اليهودية التي قدَّم حولها بعض المعلومات التي تحتاج إلى تمحيص، و لكن مع ذلك، إذا قبلنا جدلا بأن اليهودية تقول بـ(التفاوت بين الرجل و المرأة)، فهل يتحتم على الشريعة الإسلامية أن تحذو حذوها؟ ثم إننا نعلم أن هذه الديانات، و بخاصة المسيحية  و اليهودية تعيش في مجتمعات علمانية، و بالتالي فإن الأفراد فيها يتمتعون بالحرية و الاختيار، و متى توافرت الحرية، و حضر الاختيار فإن الإنسان يصبح مسؤولا عن اختياراته، و هو ما لا يتوافر، مع الأسف، في مجتمعاتنا العربية و الإسلامية الا بمستويات محدودة للغاية.

سابعا و أخيرا: يرفض الكاتب القول بالمساواة، و ذلك بحجة أنها قيمة غير مجسدة في الواقع (الغربي) قبل (الشرقي). و إذا قبلنا جدلاً بذلك، فهل عدم وجود المساواة في الواقع يبطل المطالبة بها؟ و حجة الواقع هذه، على ما في كلمة الواقع من لبس و تعقد، يمكن توظيفها ضد كل القيم و النظم و العقائد و الأديان. فمثلا، إن لأحدهم أن يقول: إن الشريعة الإسلامية غائبة عن الواقع، فهل يعني هذا أنها باطلة؟ ثم إن كثيرا من المسلمين في دفاعهم عن الإسلام و قيمه يلجؤون إلى التمييز بين الإسلام بوصفه قيما عليا و واقع المسلمين. مما يعني أن المسلم عندما يتعلق الأمر بالإسلام لا يجعل من الواقع معيارًا و حكمًا، و لكنه يجعله كذلك عندما يتعلق بالقيم الإنسانية أو (الغربية). فلماذا نلجأ إلى هذا الحجاج الخاطئ، و إلى كل صنوف الدفاع إن بالحق أو الباطل من أجل ما نعتقد أنه انتصارا (للدين الحق)، و نرفض الانخراط في النقاش العلمي و العقلي و النقدي للقيم الإنسانية الكونية؟ و مما لاشك فيه، أن كل رؤية كونية، محكومة بشروطها التاريخية، إلا أن عدم التمييز بين الطابع الكوني و المحلي، لن يسهم في إثراء النقاش العلمي، بقدر ما يعزز المواقع الايديولوجية لكل طرف. و مع إقرارنا بأن الرؤى الكونية للقيم، تتصارع ، و هو ما يعرفه الفكر الإسلامي تحديدا منذ بداية النهضة الحديثة، إلا أنه من الضروري في تقديري، أن نجري تشخيصا نقديا لرؤيتنا الكونية أولاً، و نكشف عن حدودها المعرفية، و منها فكرة المساواة التي تعتبر قيمة حديثة، و ذلك بحكم أن المجتمعات القديمة، بما في ذلك المجتمعات الإسلامية، كانت  مجتمعات تحتكم إلى قيمة التفاوت، و أظهرها  التفاوت بين الأحرار و العبيد، و المسلم و غير المسلم أو الذمي. و لا يغنينا، في هذا النقاش خطاب الاستثناء  الإسلامي في شيء، لأنه بكل بساطة، يرفض رؤية الأشياء و الوقائع كما هي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. مرحبا سيدي
    قرأت مقالك ، وقرأت قبله مقال الأستاذ رفيع ، واظن سيدي أنك تخلط بين العدل الذي جاء به الاسلام والذي يعتبر تقسيم نسب الارث احد مظاهره وبين المساواة التي تطالب بها ، او لعل الاشكال الاكبر الذي فهمته من وراء كلماتك انك ناقم على الدين الإسلامي ، ولو انك درست احكام هذا الدين العظيم لما ظننتك تكتب هذا المقال ، على اي سيدي قرأنا كثيرا لمن يطالبون بهذه المساواة المزعومة ، ولم يدركوا اننا نساء الإسلام لا نعاني اطلاقا من الدونية التي تصورونها صباح مساء ، ولكن كل ما في الامر هناك تدين وفهم وتقاليد ينبغي تصحيحها ، اما تعاليم الدين فهي عادلة في احكامها بين الرجل والمرأة ، وما حاجتي لمساواة ستجعلني غدا مطالبة ان اتكلف بالمصاريف المفروضة على الرجال ، وانا مرتاحة في ديني الذي يفرض على الرجل ان يتكلف بكل مصاريفي وميراثي من والدي اتمتع به كيف اشاء ، لو فهم الميراث بمنطق العقل لتبنته الدول الديمقراطية والمتقدمة جميعا .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق